فلا يجوز إلا إذا كانت تنقضي قبل ابتداء مدة الإجارة، فلو كان البيت -مثلا- فيه مستأجر، وتنقضي مدته بعد شهر، ثم استأجرته أنت، وقلت: لي الخيار هذا الشهر، وقال المالك: لي الخيار في هذا الشهر صح ذلك، فلكل منهما أن يفسخ في هذه المدة قبل أن يخرج المستأجر، وأما أن يكون البيت فارغا، ويتسلم مفاتيحه، ويقول: لي الخيار شهرا، فهذا لا يجوز. لماذا؟
لأنه يضيع على المالك مدة. يضيع عليه شهرا كاملا فيذهب عليه بدون أجرة. ولو استأجره -مثلا- سنة إحدى وعشرين، وقال: لي الخيار التسعة أشهر هذه الباقية، أو العشرة أشهر إلا قليلا، فله ذلك.
وسبب ذلك أنها لا تنقص من المدة التي استأجرها؛ لأنها تنقضي مدة الشرط قبل أن تبدأ مدة الإجارة. فعرف بذلك أن الإجارة عقد لازم متي حصل الافتراق، ولم يكن هناك شرط لم يتمكن أحدهما أن يفسخه إلا إذا أذن له الآخر، وأقاله فلو -مثلا- سكنه المستأجر شهرا، ثم انتقل وتركه، وكانت الإجارة سنة لزمته أجرة الباقي، لزمته أجرة أحد عشر شهرا التي لم يسكنه فيها. يطالبه المالك، ويقول العقد قد كمل، وقد انتهى بيني وبينك سنة بعشرة آلاف أعطني عشرة الآلاف، واصنع بالبيت ما تصنع. اسكنه أو اتركه مغلقا، أو أجره أو أسكن فيه من تريد، فالبيت ملكك في هذه السنة، فإن تغاضى صاحب الدار، وأقاله، ورد عليه أجرة الباقي، فهو أفضل. أما لو -مثلا- سكنه، استأجره بعشرة آلاف، ثم سكنه -مثلا- أحد عشر شهرا، ثم إن المالك أخرجه واستكرهه، أخرجه كرهه، فإنه يطالبه بالأجرة كاملة، ولو ما بقي له إلا شهر يطالبه بالأجرة كاملة، لا يستحق عليه شيئا إذا حوله المالك قبل تمام المدة، فلا شيء للمالك، ولو لم يبقَ إلا أقل المدة، وما ذلك إلا أنه ملك البيت هذه السنة. فليس له أن يخرجه قبل تمامها.
ويقال كذلك في سائر الأعيان التي تؤجر كخيمة -مثلا- استأجرها شهرا، ولما بقي خمسة أيام جاء صاحبها وقال: هاتها. فللمستأجر المطالبة بالأجرة كلها، ولا يقول: أعطني أجرة خمسة الأيام، بل له الأجرة كاملة؛ لأنه يضطر إلى أن يستأجر أخرى بقية هذه المدة، وكذلك لو استأجر -مثلا- قدرا ليطبخ فيه مدة يوم، وفي نصف اليوم جاء صاحبه، وانتزعه فلا يستحق أجرة، وإذا استأجره يوما، واكتفى منه بثلاث ساعات، ورده فلصاحب القدر أن يطالب بالأجرة كاملة، يقول: وتنفسخ بتلف معقود عليه، إذا -مثلا- استأجر البعير ليحمل عليه أو ليثني عليه، ثم إن البعير مات، وكانت المدة شهرا، فمات في نصف الشهر انفسخت الإجارة في الباقي.
وكذا لو استأجر أرضا، وفيها بئر، ثم إن البئر نشف ماؤها، ولم يبق فيها ماء انفسخت الإجارة في الباقي؛ لأن المستأجر يتضرر يموت شجره، ففي هذه الحال يعطيه نصف الأجرة، إذا كانت نصف المدة قد مضت، وكذلك إذا استأجروا ظئرا مرضعة ترضع طفلا لمدة سنتين، وبعد سنة أو بعد أشهر مات الرضيع انفسخت الإجارة في الباقي؛ لأنها استأجرت لإرضاع، ولم يبق هناك مرتضع.
وكذلك مثل أيضا انقلاع ضرس إذا اتفق مع الطبيب بأجرة -مثلا- مائة على أن يقلع هذا الضرس، ثم إن صاحبه -مثلا- قلعه بيده، فلا أجرة له والحال هذه؛ وذلك لأنه ما بقي عمل يعمله الطبيب، وكذلك لو أحس ببرئه برئ الضرس فقال: لا حاجة بي إلى قلعه، فقد برئ، وأشبه ذلك، إذا لم يبق حاجة إلى تلك العين المؤجرة بكل حال، لو مات أحد الأجيرين، فإنها لا تنفسخ، فلو استأجر الدار، وتمت الأجرة، وقبل أن يسكنها مات المستأجر، ورثته يقومون مقامه يؤجرونها أو يسكنونها ولو مات المؤجر. مات المؤجر الذي هو المالك، وقال الورثة: نحن بحاجة إلى بيتنا لم يملكوا ذلك، يملك المستأجر أخذها، ولو مات المالك، ولو امتنع الورثة، فلا تنفسخ بموت أحدهما.
بعد ذلك ذكر أن الأجير ينقسم إلى قسمين: أجير خاص وأجير مشترك، والفرق بينهما أن الأجير الخاص هو الذي تملك منفعته اليوم كله أو الشهر كله أو السنة كلها، لا يعمل عند غيرك، قد استأجرته لعمل، ويعم ذلك كل الأعمال التي يستأجر لها العمال، فإذا استأجرته شهرا لبناء في بيتك، فإنه يعمل عندك هذا الشهر، ولا يعمل عند غيرك إلا إذا عمل في وقت الراحة -مثلا-، إذا اتفقتما أن يعمل عندك كل يوم عشر ساعات، وتريحه أربعة عشر ساعة، فله أن يعمل فيها لنفسه أو لغيره، وهكذا إذا استأجرته خياطا أنت الذي أسست المكان، واشتريت مكائن الخياطة على أن يعمل فيها -مثلا- في النهار سبع ساعات، وفي الليل خمس ساعات -مثلا-، فإنه يعتبر أجيرا خاصا يعمل عندك بالأجرة التي يأخذها من أصحاب الثياب لك، وأنت تعطيه مرتبا، حتى ولو لم يأته أحد لو بقي يوما أو أياما ما جاءه عمل ما عنده عمل، فراتبه يمشي.