أهدابها التي فيها ذهبت الخمل، فإنها لا تضمن؛ لأنه مأذون فيه، قد أذن لك بأن تتمسح بها مدة شهر أو نحوه، فذهاب هذه الخمل مأذون فيه، وكذلك لو اسود القدر من الطبخ فيه مأذون فيه، فلا يضمن.
وهكذا لو تثلم وجه المسحاة من آثار الحفر مأذون لك فيه أن تستعملها في الحفر، أو تشقق الزنبيل من آثار الحمل فيه.
والحاصل: أنه إذا تلف باستعمال -استعمال بمعروف- فلا ضمان، وأما إذا استعملها استعمالا غير معروف، فإنه يضمن كيف يكون الاستعمال غير معروف؟ إذا استعملها استعمالا زائدا عما هي عليه.
فلو مثلا أنه أخذ يضرب بالفأس حجارة مثلا يكسرها بها، فتثلمت الفأس، وتكسرت أو المسحاة مثلا: يحفر بها أرضا حجرية كان من آثار ذلك أن تكسر وجهها، يضمن والحال هذه؛ لأن هذا ليس هو المعروف، المعروف أنه يقطع بالفأس الخشب، والخشب لا يكسرها، وكذلك المسحاة وغيرها يحفر بها الأرض السهلة، وكذلك المنجل الذي يسمونه المحش يقطع به الحشيش ونحوه، فإذا قطع به الحجارة فتثلم، فإنه يعتبر قد تعدى فيضمن.
يقول:"ولا إن كانت وقفا ككتب علم"هذه لا تضمن أيضا؛ لأنه مأذون في استعمالها، الكتب الموقوفة في المكتبات يوجد كتب مكتوب عليها وقف فيستعيرها الإنسان؛ ليقرأ فيها، فلو قدر مثلا أنها تلفت عنده، فإنها لا تضمن؛ وذلك لأنه مأذون في استعمالها، فتلفها عنده كتلفها في المكتبة إذا استعملت، لكن لا يجوز أن يستعملها استعمالا غير مأذون فيه، بأن يستعملها غير رافق بها، بل -مثلا- يلقيها على الأرض، أو يرمي بها رميا سيئا، أو يعرضها للشمس مثلا، أو للأطفال في هذه الحال يضمن، وعليه مئونة ردها، إذا كانت تحتاج إلى مئونة، فإنها على المستعير، فلو مثلا احتاج إلى حمال، كما لو استعار مكيفا ثقيلا رده عليه كمستعير، أجرة الذي يحمله من بيت المعير إلى بيت المستعير، ثم من بيت المستعير إلى بيت المعير، أجرته على المستعير مئونة ردها، وكذا كل شيء له مئونة إذا كان ثقيلا كما لو استعار فرشا ثقيلا ليفرشها في حفل أو نحوه، كما لو استعار خياما ليستظل بها في مناسبة ونحوها ثم انتهى منها، فأجرة الرد على المستعير؛ لأنه أخذها لمنفعته.
"وإن أركب منقطعا لله لم يضمن": صورة ذلك، إذا رأيت إنسانا منقطعا في برية، وتصدقت عليه وأركبته دابة، أركبته بعيرا مثلا، أو فرسا، أو حمارا، أو بغلا، أو مثلا وثقت به، وأركبته في سيارة سلمت مفاتيحها له، ثم إنها خربت أو تلفت الدابة، وهو لم يفرط، فإنه لا يضمن؛ وذلك لأنك محسن، وتطلب الأجر، فليس لك أن تكدر أجرك، وتبطله بتغريمه فإنك محسن إليه.
انتهينا من العارية. الغصب
الفصل الذي بعده، الفصلان في الغصب.
الغصب: هو الاستيلاء على حق غيره قهرا بغير حق، وكلمة الاستيلاء أوسع من الأخذ، إذا عرفه بعضهم بأنه أخذ مال الغير ظلما، نقول: قد يكون هناك غصب من غير أخذ كما لو أخرجه من من بيته ظلما، واستولى على بيته أو على مزرعته أو على أرضه من غير أن يقبضها، فإن هذا يسمى غصبا، وهكذا مثلا إذا طرده من ماشيته إبله أو خيله أو بقره، فإنه يعتبر استولى عليها، فيعتبر مغتصبا.
يصح الغصب لكل شيء يمكن ملكه قال تعالى: {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79) } أي: يغتصبها من أهلها، يتسلمها، ويطرد أهلها، يدل على أن الغصب هو الأخذ أو الاستيلاء على مال الغير أو حق الغير.
الغصب والنهب كبيرة من الكبائر ورد أنه - صلى الله عليه وسلم - قال:"ولا ينتهب رجل نهبة يرفع الناس إليها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن"يعني: ينتهبها من صاحبها والناس ينظرون يعني: شبه غصب.
وفي الحديث الصحيح:"من اغتصب شبرا من الأرض بغير حق طوقه من سبع أرضين"دليل على أنه من كبائر الذنوب.