ثم يقول:"من غصب كلبا يقتنى أو خمر ذمي محرمة ردهما لا جلد ميتة": وذلك لأن الكلب المقتنى صاحبه أحق بمنفعته؛ لأن الله تعالى أضافه إلى أهله في قوله تعالى: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ}
فهذا الكلب الذي دربته وعلمته فتعلم، وأصبح يعرف، ويصيد الصيد، فأنت أملك به، فإذا جاء إنسان واغتصبه قهرا بغير حق نقول له: رده إلى صاحبه، فهو أولى به، وأنت تعتبر غاصبا، وهكذا الخمر محرمة، وهي بأيدي اليهود محترمة، لا يجوز مثلا أن تدخل بيوتهم، وتشقق الظروف التي بها الخمر.
واحترامها معناه إقرارهم عليها، فإن من دينهم شرب الخمر، يرون ذلك جائزا، ويقرون ذلك إلا أنهم لا يظهرون بيعها في بلاد الإسلام، ولا يظهرون شربها، ولا يخرجون وهم سكارى، ولكن نعرف أنهم يصنعونها في بيوتهم، ويجتمعون، فيشربونها.
فلو دخل إنسان مثلا، واغتصب ذق خمر أو دنا فيه خمر، ثم ذهب به، أمر برده؛ لأن هذا من الاعتداء على المعاهدين، والمعاهدون لهم احترام، ورد الوعيد:"من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة"المعاهدون وأهل الذمة لهم ذمة، ولهم عهد فيرد الكلب، ويرد الخمر المحترمة.
وأما غير المحترمة، فلا يردها، غير المحترمة هي التي أظهرها صاحبها في الأسواق، فإنهم إذا أظهروها، فلا حرمة لها، بل تتلف.
"لا جلد ميتة": قد عرف في جلد الميتة الخلاف هل يطهر بالدباغ أم لا؟، والراجح عندنا أنه يطهر، وأنه إذا طهر يستعمل في اليابسات وفي الرطب وفي المائعات، وإذا كان كذلك فالصحيح أنه مملوك، وأنه مباح الانتفاع به، وأنه عين مالية تباع وتستبدل، فعلى هذا إذا كان مدبوغا، فإنه يرده، وكذلك إذا كان يصلح أن يدبغ، فإنه يرده أيضا.
"وإتلاف الثلاثة هدر"يعني: لا ضمان فيه إتلاف الثلاثة الكلب والخمر والجلد.
قد عرفنا أن الراجح في الجلد أنه مضمون، فإذا مات الكلب أو أهراق الخمر، فلا ضمان، لأنه لا قيمة لها.
يقول: وإن استولى على حر مسلم لم يضمنه، بل ثياب صغير وحليه؛ وذلك لأن الحر لا قيمة له، ولا ثمن له، فلو مثلا استولى غصبا على إنسان حر، واستولى عليه حبسه عنده، أو أوقفه عنده، وقدر مثلا أنه مرض ومات فلا دية عليه، ولا ضمان عليه؛ لأنه ليس له قيمة بخلاف العبد إذا استولى على العبد، فمات عنده، فإنه يضمنه بثمنه، إذا استعمل هذا الحر كرها، أكرهه مثلا على أن يبني عنده، أو يحفر عنده أو إذا استعمله في نسيج، أو في حجامة أو في هندسة مثلا.
أو في سقي حرث أو في رعي إبل، استعمله في عمل وأكرهه حتى اشتغل ذلك العمل عليه أجرته؛ وذلك لأن أجرته متقومة، منافعه متقومة.
والإنسان عادة لا يعمل عند غيره إلا بأجره، فإذا استعمله كرها فعليه أجرته، وهكذا إذا حبسه، وأضاع عليه منفعته، فعليه أجرته.
يقول: أنت حبستني شهرا أو أسبوعا، ولو لم تكن حبستني لكنت أتكسب وأحترف وأشتغل، وأحصل على مصلحة، فأنت ضيعت علي هذا الزمان، يطالبه بأجرته، أما إذا كان صغيرا، فإنه يضمن ثيابه.
"وحليه"إذا اغتصب مثلا طفلا، ثم بليت ثيابه عليه ضمان ثيابه، اغتصب مثلا جارية عليها حلي، وأمسكها عنده، وهي حرة ليست مملوكة، وضاع حليها الذي عليها، خواتيم أو أسورة أو أقراط، فإنه يضمن ذلك الحلي، أما إذا كان قنا مملوكا، فإنه يضمنه، فإن مات القن عنده ضمنه بقيمته، وإن حبسه، فعليه أجرته، وإن استعمله كرها، فعليه أجرته؛ وذلك لأن القن متقوم، فهو كما لو غصب شاة، فماتت فإنه يضمنها؛ لأنها متقومة، ولو لم يكن ظلمها، لو ماتت بمرض حدث عليها، وكذلك بقية الدواب صغيرة أو كبيرة.
فلو غصب دجاجة، وماتت في يده ضمنها بقيمتها أو غصب بعيرا كجمل أو ناقة، ثم ماتت عنده إما بتفريط كأن أهملها، وأجاعها أو حمل عليها، أو ماتت عنده مرضا، فإنه يضمن الجميع؛ وذلك لأنها متقومة.