فهرس الكتاب

الصفحة 360 من 722

يقول:"وحرم تصرف غاصب لمغصوب"وذلك؛ لأنه حرام إمساكه، فإذا كان حراما عليه إمساكه، حرم عليه تصرفه، ولا يصح العقد. فلو غصب ثوبا، وباعه فالبيع باطل. ولو غصب أرضا وسبلها، بطل الوقف. ولو غصب -مثلا- جارية وزوجها، بطل الزواج. ولو غصب -مثلا- أمتعة، وتصدق بها، لو غصب أطعمة، وأكياسا ونحوها، بطلت الصدقة، ولصاحبها أن يستردها إذا كانت موجودة.

فتصرفه باطل: تصرفه بالبيع، وبالهبة وبالوقف وبالعتق -لو غصب وأعتق- وبالصداق -لو غصب شيئا وجعله صداقا -صداقا لامرأة تزوجها- كأقمشة أو نحوها، فلا يصح العقد. يقول:"ولا عبادة". ذكر في الحاشية بعض الأمثلة على العبادة، أنها لا تصح، فإذا بنى الأرض مسجدا، وهي مغصوبة، فإنه لا يصح، ولصاحبها أن يهدم المسجد، وإن تراضوا على أن يعطوه ثمن الأرض، ويبقى المسجد فهو أفضل.

وكذلك، لو غصب جملا، وحج عليه، أو سيارة وحج عليها، أو جاهد عليها، لم يصح جهاده. أو غصب ماء وتوضأ به، لم يصح وضوءه ولا اغتساله به. وكذلك بقية العبادات، لو أخرجه -مثلا- كفارة عن نذرٍ، أو عن يمين، لم يكفه، ولن تقبل منه، هذا هو القول المشهور، الإمام أحمد يرى أنه لا يصح الحج بمالٍ مغصوب، أو بمال حرام، وأن عليه أن يحج حجة أخرى، وفي ذلك يقول بعض الشعراء:

إذا حججت بمال أصله سُحت

فما حججت ولكن حجت العيرُ

لا يقبل الله إلا كل صالحةٍ

ما كل من حج بيت الله مبرور

ذهب الأئمة الثلاثة إلى أنه يأثم، ولكن الحج صحيح، بحيث لا يؤمر أن يُعيده؛ لأنه أدى الحج ومناسكه ببدنه، وإنما المال وسيلة. ولعل هذا هو الأقرب، أنه يصح الحج، ويسقط الفرض، ولكنه يأثم. ومثله: إذا غصب ماء فتوضأ به، أو اغتسل به من جنابة، فهل يرتفع الحدث؟ الإمام أحمد يرى أنه لا يرتفع؛ وذلك لأنه معصية، فكيف يجمع بين طاعة ومعصية؟ والصحيح القول الثاني في المذهب، أنه يصح -وهو قول أكثر العلماء- أن الحدث يرتفع، ولكنه يأثم بالغصب؛ لأنه يأثم بالغصب حتى لو أراقه. لو أراق الماء الذي غصبه أثم، وكذلك لو شربه أو باعه لأثم، فالعبادة لا تعلق لها بذلك.

وكذلك، لو غصب دارا، وصلى فيها، فهل تصح صلاته؟ الرواية المشهورة للإمام أحمد لا تصح صلاته، والقول الآخر أنها تصح، بحيث إذا تاب لا يُؤمر بالإعادة؛ وذلك لأنه أدى الصلاة كما أُمر، فلا حاجة إلى أن يعيدها، ونقول له: جلوسك في هذه الدار إثم، واستمتاعك بها واستعمالك لها إثم، وعليك ذنب الغصب، وعليك ذنب الاستعمال -استعمالك لها- وسواء أغلقتها، أو سكنتها أو أجرتها، أو أسكنت فيها فقراء -مثلا- صدقة منك، لا يقبل الله تعالى صدقتك، فأنت آثم، حيث إنك تصرفت في مال إنسان معصوم بغير حق. فعلى هذا لا يؤمر بإعادة الصلوات التي صلاها في هذه الدار، ولكنه يأثم.

وكذلك لو صلى في ثوب مغصوب، فالرواية المشهورة أنها لا تصح صلاته، والقول الثاني أنها تصح مع الإثم، يقال: أنت آثم بلبس هذا الثوب، سواء لبسته في صلاة، أو لبسته في نوم، أو لبسته في يقظة، أو لبسته في سوق، أو لبسته في بيت، أنت آثم لاستعمالك له، ولكن لا دخل للعبادة، فتصح الصلاة والوضوء، والصلاة في الدار، وما أشبه ذلك.

يقول:"والقول في تالف وقدره وصفته قوله"وذلك لأنه غارم. فإذا غصب شاة، وماتت فقال صاحبها: إنها سمينة، وقال هو: بل هي هزيلة، فالقول قول الغاصب؛ لأنه غارم. وكذلك لو قال: إنك غصبت مني نعجة، فقال: بل غصبت منك كبشا ذكرا، أو قال: غصبت بقرة، فقال: بل ثورا، أو قال: غصبت مني ناقة، قال: بل جملا، أو قال: غصبت مني ثوبين، قال: بل واحدا، وهي تالفة، قد تلفت هذه الدابة، أو هذا المتاع، القول قول من؟ القول قول الغاصب؛ لأنه ضامن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت