وفي هذه الأزمنة، يترجح عدم الإحياء إلا بإذن الإمام؛ نظرًا إلى كثرة من يغلب عليهم الهلع، وكذلك الاستكثار، فيأخذون ما ليسوا بحاجةٍ إليه، وأيضًا قد يحصل فيها شقاق ونزاع، إذا لم تكن بإذن الإمام؛ فلذلك العمل في هذه البلاد على أن الإحياء يُشترطُ فيه إذن الإمام.
"الأرض المنفكة عن الاختصاصات"يعني: هناك ما يسمى بالأرض المختصة يعني: -مثلا- البلاد بحاجة إلى مراع، وبحاجة إلى مرتفقات، فتسمى هذه خصائص البلد، فليس لأحد أن يحييها؛ لأنه يضر بأهل البلد. وكذلك أيضًا الإنسان إذا بنى دارًا، وكان بحاجة إلى الأرض التي أمام بيته -موقف مناخه، وملقى كناسته، أو موقف سيارة- فليس لأحد أن يضايقه، فتسمى هذه اختصاصات.
"وكذلك إذا لم يكن بها ملك لمعصوم". المعصوم: هو المسلم والذمي. فإذا كان فيها ملك لذميٍّ -ولو كان كافرًا- لم تملك بالإحياء؛ لأنه قد ملكها ذلك المعصوم. وبطريق الأولى، إذا كان مسلمًا، فلا يحل لأحد أن يحييها.
ثم اُختُلف أيضًا في الإحياء في دار الحرب. إذا كان -مثلا- الأرض في دار حرب، ليست في دار إسلام، يعني: أهل تلك البلد محاربون للمسلمين، فسبق إنسان وأحياها، فإن قيل إنه لا يملكها؛ وذلك أنها لا تملك إلا بالاغتنام، لا تملك إلا بأخذها كغنيمة، فإذا لم تكن غنيمةً فلا يحصل الإحياء. والقول الثاني: أنه يملكها ولو كان في أرض حرب. والعمل على أنه يملكها إذا أحياها إحياءً شرعيًا. ويكون ذلك من جملة ما يحوزه المسلم كغنيمة، يأخذها من بلاد المحارب.
وإذا قيل بأي شيءٍ يحصل الإحياء؟ في هذه البلاد يحصل ما يسمى بالمِنَحِ: أن يُمنح الإنسانُ أرضًا. قديمًا يسمى إقطاعًا: أن يُقطع الإمام أرضًا لمن يحييها.
كما في حديث أبيضَ بن حمَّالٍ"أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقطعه أرضًا."يعني: قال له: هذه الأرض لك، اغرس فيها واستغلها، فيكون هذا المُقطع أحق بها، فإما أن يحييها، وإما أن يتحجرها، وإما أن يعجز عنها.
والدولة -في هذه الأزمنة- إذا منحت، تشترط أنك تحييها في ثلاث سنين -مثلا- أو خمس أو ست، تحدد له مدة، فإذا لم يحيها فإنه يستحق أن تنزع منه، وتعطى لمن يحييها، حتى تستغل، فإنها فيها منفعة تستغل منفعتها. فمن أمسكها وتركها مواتًا عشرات السنين، فقد أضاع منفعتها؛ فلذلك لا بد من تحديد مدة.
ثم أولًا:"أن يحوزها بحائط منيع". يعني: يبني عليها جدارًا من جميع الجهات. هذا الجدار لا بد أن يكون منيعًا، بحيث لا تدخلها الغنم ولا البقر ولا الكلاب، يردها هذا الجدار، فمن أحاط عليها حائطًا فقد أحياها، واستحق أنها تبقى في ملكه، واعتبر قد عمرها.
الثاني:"إجراء ماءٍ لا تزرع إلا به."إذا -مثلا- أجرى عليها ماءً، فإنها تُملك بهذا. العادة أن الزراع يبذرون ثم يجرون الماء، وعادة أنه يجري مع سواقي. في هذه الأزمنة، يقوم مقامه ما يسمى بالرشاش، يعتبر سببًا في التملك. فإذا بذر فيها -مثلا- ثم رشها بهذا الرشاش، الذي يحيا به الزرع، ملكها وصار أحق بها، هو ووارثه من بعده.
"أجرى إليها ماء."لو أجرى الماء -مثلا- من مسافة ثلاثة كيلومترات، ولكن مع سواقي، إلى أن وصل إليها وزرعها، ملكها. وأما أن يأتي بماءٍ -مثلا- في قرب، أو في + ثم يصبه عليها فلا يملك، فلا يملكها والحال هذه؛ وذلك أنه يؤدي إلى أن كل أحد يأتي بقربة ويصبها في مكان، ويقول ملكت هذه البقعة!
فلا بد أن يجري الماء، إما مع ساقٍ، أو مع ما يسمى بالمواسير الأجرام؛ لأنه يمشي على وجه الأرض. ولا يحيا أيضًا ما زرعه على الطل، أو على المطر، لا يملكها؛ وذلك لأنه ما أجرى إليها ماءً، بل الماء الذي سقاه بها من السماء، ماء السماء، فلا يملكها والحال هذه. ولكن يكون أحق بها ما دام زرعه باقيًا.
كذلك"لو قطع ماءً لا تزرع معه"لو جاء إلى أرضٍ قريبٍ من الأنهار أو من البحر، ثم حبس الماء الذي فيها، كانت مستنقعًا فحبس الماء عنها ومنعه، فإنه يملكها والحال هذه؛ لأنها قبله لا تصلح أن تزرع، مستنقع، قطعة بحر، أو قطعة نهر. فإما أنه -مثلا- دفن ذلك المستنقع، وإما أنه حجز الماء الذي ينمد إليها من البحر أو من النهر، فيملكها بذلك.
"كذلك إذا حفر بئرًا فإنه يملك حريمها". ورد في حريم البئر خلاف: فمنهم من يقول: حريم البئر مد رشائِها، ومنهم من يقول: حريمها خمسةٌ وعشرون ذراعًا من كل جانب، إذا كانت بئرًا جديدة، وإذا كانت قديمةً فحريمها خمسون ذراعًا من كل جانب.