ورد في ذلك حديث:"للبئر البدي خمسةٌ وعشرون ذراعًا، والعادي خمسون ذراعًا."العادية: البئر القديمة. إذا وجدت بئرًا قديمةً قد اندفنت، وليست لأحدٍ ولا يعرفها أحدٌ، ثم إنك أحييتها، حفرتها من أعلاها حتى أخرجت ماءها وحتى وصلت إلى قعرها -فإن لها حريمًا -يعني حمى- من كل جانبٍ، خمسون ذراعًا.
وأما البئر الزراعية، التي عادةً أنها تزرع، فذهب بعضهم إلى أن حريمها ثلاثمائة ذراع من كل جانب، إذا كانت للزرع، بخلاف ما إذا كانت لسقي الدواب، أو الامتياح -يعني الارتواء منها- فإنه يكفيها خمسة وعشرون أو خمسون. وإذا كانت لا تكفي لعمقها، يعني: كان عمقها -مثلا- وهي بدية عشرون ذراعًا، قد يكون عمقها خمسون ذراعًا.
قد رأينا آبارًا -في شمال المملكة- عمقها أكثر من ستين باعا -ليس ذراعا- وأن هناك بئرا أيضا عمقها قريب من تسعين باعًا. ففي هذه الحال بحاجة إلى أن يكون حماها مد رشاها.
عادتهم أنهم يجتذبون الماء بالدلاء، والدلو معلق في رشاء -حبل- ثم يربطون طرف الحبل ويضعونه على البكرة، ثم يربطونه على دابة -بعير مثلا- وفي هذه الأزمنة على سيارة، يجتذب الدلو من البئر إلى أن يخرج، فربما يكون طول الرشاء نحو ثلاثمائة ذراع، أو قريبًا منه؛ فلذلك هي بحاجة إلى مد رشاها.
فالحاصل أن من حفر البئر إلى أن وصل إلى الماء، فإنه يملكها ويملك حريمها. وكذلك إذا غرس شجرًا فيها، مما لا يعيش إلا بالغرس، يعني: أخرج الماء من البئر ثم غرسه حولها، ملك ما غرسه كما يملك ما زرعه، إذا أخرج الماء وزرع به زرعًا ولو مائة باع، ملك.
وكذلك إذا غرس غرسًا وسقاه من هذه البئر، أو جلب إليه ماءً من بئرٍ بعيدة، وسقى ذلك الغرس، نخلًا -مثلا- أو تينًا أو أُترجًا أو مما ... أو كذلك أيضًا الشجر الذي لا يقوم على ساق، كبطيخٍ وقرعٍ ونحوه.
يقول بعد ذلك:"ومن سبق إلى طريقٍ واسعٍ، فهو أحق بالجلوس فيه ما بقي متاعه، ما لم يضر."هناك من يحتاج، يكون معه بضاعة سهلة، ويحتاج إلى أن يبسط بساطًا، وينشر عليه بضاعته، ويعرضها للباعة للمشترين.
فإذا كان الشارع واسعا، وجاء إنسان، وبسط بساطه في جانب من هذا الطريق، وترك فيه متاعه، في صندوق -مثلا- ثقيل، أو نحو ذلك، كلما أصبح نَشَرَ بضاعته، فهو أحق بذلك المكان؛ لأنه سبق إليه ولو طالت مدة بقائه فيه.
وكذلك إذا مُنحَ من قبل البلدية، إذا أعطته البلدية قطعةً وقالت: أنت تستحق هذه القطعة، ابسط فيها بساطك وانشر فيها بضاعتك، حتى تستغني عنها، أو تجد ما تستأجر به دكانًا، فإنه أحق بهذا المكان، ولو طالت المدة. الجعالة
الفصل الذي بعده يتعلق بالجعالة. الجعالة: عرفها هنا بقوله:"أن يجعل شيئًا معلومًا لمن يعمل له عملًا معلومًا أو مجهولًا بعوض معلوم."وفي هذه النسخة يقول:"لا كرد عبد."اللام زائدة، كرروا اللام في"مجهولا"ً فهي زائدة، الصواب"ولو مجهولًا كرد عبد."
يعني: من أمثلة العمل الذي تجعل عليه الجعالة، ردُ عبدٍ آبق، ورد لقطة، وبناء حائط. هذه أمثلة للجعالة معناه: أنه لا يتفق مع إنسان لو اتفق معه لكانت إجارة، ولكن يقول: من بنى لي هذا الجدار فله مائة، أو من ردَّ شاتي التي هربت أو التي ضاعت فله عشرة، أو من رد اللقطة التي فقدتها -دراهم -مثلا- أو ثوبًا أو كيسًا أو سيفًا- من أتى بهذه اللقطة فله مائة أو فله عشرة. نسمي هذا جعالة أي: جُعلًا. لا أنه أجرة.
فمن عمل هذا العمل استحقه، من فعله بعد علمه استحقه. وأما من فعله قبل علمه فإنه يعتبر متبرعًا. فلو -مثلا- وجدت شاة فلانٍ ضالة، وعرفتها وأتيت بها، وأنت ما علمت، فلما أتيته ذُكر لك أنه قد جعل لمن أتى بها عشرة، لا تطالب بهذه العشرة؛ وذلك لأنك متبرع، ومحسن في إتيانك بها.
وكذلك -مثلا- لو سقط منه كيس، وعرفت أنه كيس فلان، ثم أتيته به، اعتبرت متبرعًا، فليس لك المطالبة، لا تطالب بقولك: إنه أعطى من أتى بالكيس عشرة، أو خمسة؛ لاعتبارك متبرعًا، قبل أن يأتيك أو قبل أن تعلم.
وهكذا لو -مثلا- قال: من حفر هذه البئر إلى الماء فله ألف، من بنى هذا الجدار وأقامه على صفة كذا وكذا فله مائة أو خمسمائة. فعلم بذلك إنسان أو جماعة وعمروه وبنوه، فإنهم يستحقونه. إذا كانوا جماعة اقتسموا الجعل بينهم على حسب أعمالهم، إذا كان بعضهم أشد وأكثر عملًا، استحق زيادة.