فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 722

نجاسته أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر في تطهيره بثلاثة أشياء: سئل عن دم الحيض يصيب الثوب فقال: " تحكه ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه ثم تصلي فيه ".

وذلك دليل على نجاسته، ولا يقال: أن هذا خاص بدم الحيض فإن الحكم واحد؛ لأن دم الحيض أصله يخرج من عرق في جوف المرأة خلقه الله -تعالى- لتغذية الجنين، فهو من جملة بدن المرأة، وقد ذكر - صلى الله عليه وسلم - المستحاضة: دمها دم عرق يقال له العازل، فدل على أنه مخرجه واحد، ويلحق به بقية الدماء من الجروح ومن البدن، ومن الذبيحة ونحوها، وذكرنا أن صلاة عمر -رضي الله عنهم- وجرحه يثقب دما؛ لأنه معذور، ويلحق بمن حدثه دائم، وكالجروح السيارة، وصاحب سلس يصلي على حسب حاله، ولأنه لو ترك الصلاة ما توقف الدم، وكذلك صلاة الصحابي الذي رمي وهو يصلي فاستمر في صلاته مع أنه نزف الدم، الجواب أيضا أنه لا يستطيع إيقاف الدم، فاستمر في صلاة فهو كمن حدثه دائم، وهناك أدلة أخرى كثيرة.

يقول: إن هناك نجاسة معفو عنها وهي مثل نقط الدم اليسيرة، يعفى عن نقطتين أو ثلاث متفرقة من الدم يعفى عنها، وذلك للمشقة، ويعفى أيضا عن أثر الاستجمار بمحله، إذا استجمر الإنسان بعد التغوط، ومسح أثر الخارج بالحجارة، وبقي شيء لا يزيله إلا الماء، فمثل هذا يعفى عنه، كما تقدم في إزالة النجاسة ذكر أنه يعفى عن ذلك في غير مائع ومطعوم، عن يسير دم ونحوه من حيوان طاهر، لا دم سبيل.

وكذلك أيضا دم ما لا نفس له سائلة كدم البراغيث، والقمل ونحو ذلك، يتجنب النجاسة في ثوبه وفي بدنه وفي البقعة التي يصلي عليها، ويكون ذلك مع القدرة فإن عجز فهو معذور، إذا عجز يعني: لم يجد إلا هذا الثوب الذي فيه نجاسة، وكذا مسجون في مكان نجس، ليس له قدرة، وكذلك أيضا مريض لا يستطيع أن يتطهر إذا كان مثلا لا يتماسك بوله، ولا يستطيع أن يتطهر بعد التخلي، فمثل هذا عاجز عن التطهر فيصلي على حسب حاله، ومن جبر عظمه بنجس أو خاط جرحا بنجس وتضرر بقلعه لم يجب قلعه وصلى على حسب حاله.

الجبر مثلا: قد يجبرونه بعظم ميتة، مثلا يشدونه عليها أو بجلد نجس يمسكون به الجرح، يعني: بشيء نجس يخاط به الجرح أو يجبر به العظم، ويشق عليه قلعه، فإنه لا يجب ولكنه يتيمم، فإن غطاه اللحم نبت اللحم على هذا الشيء كما لو جرح مثلا وأدخلوا في الجرح خيطا نجسا في قلبه مثلا، ونبت اللحم عليه فهل يلزمه أن يشق اللحم ويخرج ذلك الخيط النجس، فيه مشقة، يعفى عن ذلك.

ذكر بعد ذلك المواضع التي لا تصح الصلاة فيها.

الأول: المقبرة، فيها أحاديث كثيرة، في النهي عن اتخاذ القبور مساجد، وفي النهي عن الصلاة في المقبرة والحمام، واختلف في العلة، فأكثر الفقهاء على أن العلة تلوثها بصديد الموتى، يعني: أن الميت يتحلل ويخرج منه في قبره رائحة منتنة، وأن تلك الرائحة تمتصها الأرض، وتظهر على وجه الأرض، فلا جرم لا يجوز أن يصلى فيها لهذا السبب، والصحيح من التعليل أن العلة مظنة الغلو فيها، ولذلك نهي عن الصلاة عند قبور الأنبياء " لا تتخذوا القبور مساجد " مع أن أجساد الأنبياء لا تأكلها الأرض، فهو دليل على أن العلة خوف الغلو في الأموات ودعائهم مع الله، وهذا هو الذي وقع من القبوريين، فإنهم لما بنوا على القبور، زين لهم الشيطان أن ذلك من تعظيمها ومن احترام أهلها، فوقع من بعدهم في دعاء الأموات، صاروا يقصدون تلك القبور التي يقال: إنها قبور أولياء أو سادة أو شهداء أو صالحين، فأدى الأمر إلى عبادتها مع الله.

فالصحيح ما علل به شيخ الإسلام أنها مظنة الغلو ذكر ذلك في (اقتضاء الصراط المستقيم) .

الثاني: الخلاء يراد به بيت الخلاء ويسمى الحش والكنيف والمرحاض وتسميته بالحمام تسمية جديدة، هو محل قضاء الحاجة، ورد أيضا النهي عن الصلاة في الحمام أنه - صلى الله عليه وسلم - " نهى عن الصلاة في المقبرة والحمام " وليس المراد الحمام الذي في البيوت الذي هو بيت التخلي، بل المراد الحمام الذي يكون في البلاد الباردة كالشام والعراق ومصر، وتركيا وغيرها عبارة عن بيت يحفر له في الأرض، دور أو دورين، ثم يكون فيهما ماء ساخن يدخله الإنسان حتى يستحم يتنظف، وكرهوا الصلاة فيه لما فيه من كشف العورات، أي أنه يكثر فيه كشف العورات، وكان في الزمان القديم مظلما، وفي هذه الأزمنة بعد وجود الكهرباء استطاعوا أن ينوروه، فأصبح كأنه الأقبية التي يحفر لها في الأرض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت