فعرف المنصور أن الاستثناء لا يكون إلا متصلا، وأقر أبا حنيفة على ذلك.
والأثر الذي روي عن ابن عباس، في أنه يجوز الاستثناء ولو متأخرا. لم يثبت عنه على الصحيح، فالاستثناء لا بد أن يكون متصلا، لكن ليس كتم التنفس، لو قال: أنت طالق ثلاثا. وقف يتنفس، ثم قال: إلا واحدة، فهذا اتصال معتاد، ولا بد من النية قبل أن يتم المستثنى منه، فلو قال: أنت طالق ثلاثا. ما كانت نيته الاستثناء، ولما كمل كلامه قال: إلا واحدة. فلا تنفعه؛ لأنه ما نوى، وما نوى الاستثناء قبل تمام الكلام.
هل الاستثناء بالقلب يصح؟
يقول:"يصح من مطلقات لا من طلقات". إذا قال مثلا: زوجاتي طوالق. وله أربع، ونوى بقلبه استثناء واحدة، أو استثناء اثنتين -يصح، وذلك لأن كلمة"زوجاتي"تصدق على اثنتين وعلى واحدة، فلا حرج في أن يستثني بقلبه من المطلقات، وأما الطلقات فلا يصح الاستثناء إلا بلفظ، ولا ينفعه الاستثناء بالقلب مع عدد الطلقات. مسائل فيها بعض الخفاء في الطلاق:
تكلم هنا على مسائل فيها بعض الخفاء، يقول:"إذا قال: أنت طالق قبل موتي، طلقت في الحال؛ لأن الآن قبل موته، فلا يدري هل يموت بعد دقائق، أو يموت بعد سنوات، أو بعد عشرات السنين؟ تطلق في الحال؛ لأنه جعل الطلاق قبل الموت، وهذا الوقت قبل موته، فتطلق في الحال"..
ثانيا: إذا قال: أنت طالق بعد موتي. هل تطلق؟ ما تطلق؛ لأن بعد موته تكون قد بانت منه؛ لأن الموت بينونة كبرى، ومفارقة كاملة، فلا يقع الطلاق إذا قال: بعد موتي. أنت طالق مع موتي. هل تطلق؟ لا تطلق أيضا، وما ذاك إلا أن الطلاق لا بد أن يكون في الحياة، وأما حالة الموت فلا يصح.
ذكروا أنه لو طلقها وهو مريض فإنها ترث منه، حتى ولو انتهت عدتها؛ لأنه الغالب أنه يقصد حرمانها، يطلقها في المرض حتى لا ترث، فالطلاق مع الموت، أو مع قربه لا يقع، لكن إن كان مثلا في مرض معتاد وقع الطلاق، ولكن يتهم بقصد حرمانها فإنها ترث.
أنت طالق في هذا الشهر. متى تطلق؟ تطلق في الحال،"في هذا الشهر"تطلق في الحال؛ لأن هذه الحال من هذا الشهر. أنت طالق اليوم، تطلق ساعة ما يتلفظ، ولا حاجة إلى أن يؤخر الطلاق إلى نهايته. أنت طالق في هذه السنة، تطلق حالة ما يتكلم، تطلق في الحال. إذا قال: أنت طالق اليوم في هذا اليوم، أو في هذا الأسبوع، أو في هذا الشهر، أو في هذه السنة، فإنها تطلق ساعة ما يتكلم.
لو قال: ما أردت طلاقها في الحال، وإنما أردت آخر الكل. يُقبل حكما، يعني: يصدق، فإذا قال: ما أردت إلا آخر اليوم. فإنها تطلق عند غروب الشمس.
وإذا قال: آخر الأسبوع. فإنها تطلق آخر يوم الجمعة، وإذا قال: آخر الشهر. فإنها تطلق آخر اليوم الثلاثين الذي هو آخر الشهر، أو آخر التاسع والعشرين إن كان الشهر ناقصا، وهكذا آخر السنة، يقبل قوله حكما.
إذا قال: أنت طالق غدا. يراد بـ"غدا"اليوم الذي بعده، هذا اليوم تطلق بأوله، أول"غدا"متى؟ هو وقت إمساك الصائم، يعني: وقت الفجر، فإنه أول النهار، فتطلق وقت طلوع الفجر وتبيّن الصبح، وقبل ذلك لو ماتت لورثها، لو مات قبله لورثت منه؛ لأنها لا تزال زوجة، وحدت عليه ونحو ذلك.
إذا قال: أنت طالق يوم السبت. قيل: إنه يدخل فيه الليل، فتطلق إذا غربت شمس يوم الجمعة؛ لأن الليلة تكون من يوم السبت، ولكن الأكثرين على أنه يفرق بين يوم السبت وليلة السبت، فلا تطلق إلا في أول الصباح، صباح يوم السبت بطلوع الفجر.
وكذلك لو قال: أردت الآخِر، أرادت آخر يوم السبت، غروب الشمس يوم السبت، أو قال: أردت آخر الغد. قلتُ:"أنت طالق غدا". وأريد بها آخر النهار، قرب غروب الشمس، هل يقبل؟ لا يقبل.
إذا قال: إذا مضت سنة فأنت طالق. كلمة"سنة"اسم لمضي اثني عشر شهرا، فمتى مضى اثنا عشر شهرا هلاليا فإنها تطلق، لكن في بعض البلاد يوقتون بالأشهر الشمسية، أو الميلادية، فإذا كان ذلك معتادا عندهم، فلا بد أن يمضي اثنا عشر شهرا شمسيا، الأشهر المعروفة عند أهل تاريخ الميلاد، لا بد أن يمضي اثنا عشر شهرا.
وأما إذا قال:"اثنا عشر شهرا". وهو من المسلمين وبينهم، فتكون الأشهر هلالية؛ لأن هذا هو المعتاد والمعروف عند المسلمين.