فهرس الكتاب
وأما إذا قال: إذا مضت السنة فأنت طالق. السنة في اصطلاح المسلمين هي السنة الهجرية، وتبدأ بشهر محرم، وتنتهي بشهر ذي الحجة، فتطلق بآخر شهر ذي الحجة؛ لأن هذه هي السنة الهجرية، السنة التأريخية.
وكذلك إذا كان ممن يؤرخ بالتأريخ الميلادي، فإنها أيضا تطلق بنهاية السنة الميلادية، إذا دخل الشهر الميلادي الذي يستقبلون به السنة، ويسمى"يناير"، انتهت السنة.
الحاصل أن مثل هذه التعليمات فروض يذكرها الفقهاء، وقد يكون بعضها اجتهادا، يعني قالوه بالاجتهاد، ومع ذلك فإنهم يقيسونها بعضها على بعض، يقيسونها على أقل ما يليق بها، فنقول: ليس شرطا أن يكون على كل جملة نص، أو دليل واضح، بل الأدلة تؤخذ من العمومات، أو تؤخذ من المسميات، نعرف أيضا أن كثيرا منها خلافية، أي: موجود فيها خلافيات بين الفقهاء، وإنما ذكروا ما يترجح لهم.
نكتفي بهذا، غدا -إن شاء الله- يكون الدرس بعد الصلاة مباشرة، إلى الساعة الخامسة والربع، هذه الفترة الأولى، وهكذا -إن شاء الله- ... والله أعلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إباحة الطلاق من محاسن دين الإسلام:
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على أشرف المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
ابتدأنا بالأمس في كتاب الطلاق، وذكرنا أو قرأنا شيئا من مسائله، ومنه نعرف أن دين الإسلام دين وسط؛ حيث أباح الطلاق، ومع ذلك أباح الرجعة، ذكروا أن النصارى ليس عندهم طلاق، بل متى عقد على المرأة فلا يقدر على أن يتخلص منها، ويلزمونه بإبقائها مهما كانت الحال، ويشددون عليه في أن يمسكها ولو أساءت صحبته، ولو أضرت به، ولو كانت مخالفة له في أمر العقيدة، أو في أمر الديانة، لا يقدر على أن يتخلص منها، هكذا قالوا.
و إذا قدر أنه فارقها، فإنهم يلزمونه بالإنفاق عليها بقية حياتها، ويقولون له: إنك أفسدت عليها حياتها، وإنك أضررت بها؛ حيث تزوجتها ثم طلقتها، وذلك ضرر عليها، من أين تأكل؟ وكيف تعيش وقد فارقتها؟ فإما أن تؤمن لها معيشة، وإما أن تبقيها عندك ولا تفارقها. هذه ديانة النصارى.
وقد انتشرت في كثير من الدول التي تتسمى بالإسلام، ولكن قد أثر فيها الاستعمار النصراني، وقد أثر فيها مجاورة النصارى، فهم يحرمون تعدد الزوجات، أن يتزوج أكثر من واحدة، وكذلك أيضا يمنعون من الطلاق، تأثرا بمجاورة من حولهم من النصارى، وكذلك أيضا إذا عقد عليها، فرضوا عليه صداقا مؤخرا، يقولون: هذا المؤخر، لو قدر أنه مات قبلها، أو قدر أنه طلقها -وإن كانوا يمنعونه- فإن هذا المؤخر يؤمن لها حياتها، ويؤمن لها معيشتها.
فهذه عادة ورثوها من النصارى، ونحن نقول:"لا بأس لا بأس". إذا طلبت تأخير صداقها، وقالت: لست بحاجة إليه الآن. أدعه كوديعة عندك، متى بدت لي حاجة طلبته، أو إذا فارقتني بموت أو بطلاق طلبته، لا بأس بهذا المؤخر، وأما اعتياده واعتقاد أنه لا يكون إلا ... أو لا يحصل عقد إلا بفرضه، فإن هذا يخالف ما عليه تعاليم الإسلام، وفرض شيء زائد على شرع الله تعالى.
إباحة الطلاق من محاسن دين الإسلام، إذا كره الرجل امرأته ونفرت منها نفسه، أبيح له أن يطلقها، كما أنها إذا كرهته لسوء خلقه، أو لسوء معاملته، فلها أن تفتدي، أي: تدفع مالا حتى يخلي سبيلها؛ لقوله تعالى: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [1] وهو ما يسمى بـ"الخُلع"، كثيرا ما يحدث الشقاق والنزاع بين الزوجين، يكون تارة من الزوج، وأحيانا من الزوجة، ويكون نتيجته الطلاق، وسبب ذلك -والله أعلم- سوء التربية، التربية للزوج أو للزوجة.
فالزوج مثلا ينشأ في ترف، وفي سرف، وينشأ في مجتمع فاسد، يألف اللهو واللعب، ويألف المعاصي والمحرمات ويكب عليها، فإذا تزوج امرأة حصينة محصنة عفيفة، أساء معاملتها أو أضر بها، مما يحملها على بغضه وكراهيته وطلب الطلاق.
(1) - سورة البقرة آية: 229.