السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على أشرف المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قسم العلماء فراق الرجل لامرأته إلى ثلاثة أقسام: الخلع والطلاق والفسخ، وذكروا أن الخلع خاص بما إذا طلبت الفراق، وبذلت شيئا من المال إذا كرهت خُلق زوجها أو خَلقه أو نقص دينه أو خافت بالبقاء معه الإثم في عدم أداء حقه، فلها والحال هذه أن تبذل شيئا من مالها أو تعطيه صداقه على أن يفارقها.
وهذا الفراق ليس طلاقا، لا ينقص به عدد الطلاق، بحيث أنه لو خالعها، ثم بعد ذلك تراجعا، ثم خالعها مرة أخرى، ثم تراجعا ثم خالعها ثالثة، فلهما أن يتراجعا بعقد جديد؛ لأنه ليس طلاقا من قبله.
وأما الثاني: فهو الطلاق الذي يفعله الزوج بحيث أنه يكره زوجته، يكره خَلقها أو خُلقها أو نقص دينها أو عدم عفتها أو يكرهها كراهية قلبية، وإن لم يكن هناك سبب ظاهر، ففي هذه الحال له أن يطلقها، وله بعد الطلقة الأولى أن يراجعها، وله بعد ذلك إذا راجعها أن يطلقها مرة ثانية، وله أن يراجعها بعد الطلقة الثانية في العدة، وبعد العدة بعقد جديد.
وإذا طلقها الثالثة، لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره، ويطؤها الزوج الثاني، ويكون نكاحه نكاح رغبة، لا نكاح تحليل، وهذا هو الذي جاء به الإسلام حتى لا يضر الرجال بالنساء، ذكروا أنهم كانوا قبل الإسلام يطلق أحدهم ما شاء ثم يراجع، يطلقها المرة الأولى، فإذا قاربت انقضاء العدة راجع، ثم يطلق طلقة ثانية فإذا قربت العدة، راجع ثم يطلق ثالثة، فإذا قربت العدة راجع، وهكذا بعد رابعة وبعد خامسة إلى ما لا نهاية له.
ولما كان في ذلك ضرر، منع الله من ذلك وحدد له ثلاث طلقات، يراجع بعد اثنتين، أو يجدد العقد ولا يقدر بعد الثالثة، حتى لا يُضرّ بالنساء لقول الله تعالى: {وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا} [1] فإنها إذا كانت كذلك كلما شارفت على انقضاء المدة راجعها، لا شك أنها تتضرر ولذلك قال الله تعالى: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِن اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (128) } [2] أحضرت الأنفس الشح.
ثم قال: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} [3] يعني: العدل التام الذي يكون في القلب محبة وفعلا، ثم قال: {فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} [4] يعني: يميل مع إحدى زوجتيه ويترك الأخرى كالمعلقة، فتكون لا أيّما ولا ذات زوج، أي ليس معها زوج يواسيها ويعطيها حقها، وليست أيما أي غير مزوجة، بل زواجها كأنه ليس زواجا، هذا هو الإمساك ضرارا، {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} [5]
(1) - سورة البقرة آية: 231.
(2) - سورة النساء آية: 128.
(3) - سورة النساء آية: 129.
(4) - سورة النساء آية: 129.
(5) - سورة النساء آية: 129.