وأباح الله له أن يفارقها وقال تعالى: {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ} [1] إذا لم تناسبه فإن عليه أن يفارقها وسوف يغنيه ربه ويغنيها أيضا وييسر لكل منهما ما يناسبه ييسر له التي يحبها ييسر له امرأة تناسبه وييسر لها زوجا يناسبها {يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ} [2] هكذا وعد الله.
فهذا الطلاق هو الذي يعتاده كثيرا الذين يرغبون فراق أزواجهم، ولكن كرهوا للرجل كثرة الطلاق، أن يكون مذواقا مطلاقا، بحيث إنه يتزوجها وبعد شهر أو سنة يطلق، يتزوج الثانية ثم يطلق، وما روي عن بعض السلف أنه كثير النكاح والطلاق، فلعل ذلك لمناسبة عدم صلاحية أو ما أشبه ذلك، كما ذكروا منهم الحسن بن علي - رضي الله عنه - فإنه تزوج كثيرين، ذكر في بعض ترجمته أنه مرة يمشي في المدينة، فرأى نساء كثير ولما رأينه اجتمعن والتف بعضهن ببعض وجلسن حياء منه، فوقف متعجبا، فكلمته إحداهن وهي أجرأهن، وقالت امض -رحمك الله- فما منا واحدة إلا وقد ذقت عسيلتها، يعني هذا الجمع الكبير ما منهن واحدة إلا وقد تزوجها، ودخل بها ثم طلق.
وقرأت في بعض تراجم المترجمين في تاريخ ابن كثير، ذكر في آخر ترجمته قال:"وتزوج هذا الرجل ألف امرأة"، هكذا ويظهر أن فيه مبالغة، ومع ذلك في هذه الأزمنة وغيرها أيضا، إذا رأوا الرجل مذواقا مطلاقا كرهوا أن يزوجوه؛ لأنه إذا طلقها كرهتها النفوس، إذا طلقت المرأة فغيره من الرجال ينفرون منها، ويعتقدون أنها ما طلقت إلا لعيب فيها، لأمر من الأمور التي تعاب بها، فيكون ذلك ضررا عليها.
وكان الأولى ألا يتزوج إلا برغبة، وأن يعزم على أنها زوجة له طوال حياته وحياتها، لا ينوي أن زواجه بها تجربة أو ما أشبه ذلك، فلعله بذلك يرغب فيها وترغب فيه، أما إذا طلقها بمجرد ما أن يدخل بها بعد يومين أو بعد شهر أو نحو ذلك، فإنها تتضرر بذلك ولو أنه كثير الأموال، يقول: لا يهمني أن أتزوج كل شهر أو كل سنة وأدفع من الأموال، فالمال عندي متوفر، هذا لا يسوغ له كثرة الطلاق وكثرة النكاح فهذا النوع الثاني الذي هو الفسخ الذي هو الطلاق.
النوع الثالث: هو الفسخ، الفسخ هو فسخ الحاكم للعقدة التي بين الزوجين، ولا يتولى ذلك إلا القاضي، أو من يقوم مقامه، وله أسباب: منها غيبة الرجل إذا غاب طويلا وترك زوجته، وليس عندها نفقة، ففي هذه الحال إذا تضررت فإنه يفسخ الحاكم نكاحه ولو كان غائبا، فيقول: حكمت بفسخ نكاح فلان لفلانة وبعد فسخه تُسْتَبْرَأ بحيضة، ثم تتزوج إذا شاءت، هذا إذا لم تصبر وتتحمل.
ومن أنواع وأمثلة الفسخ إذا ظهر في أحدهما عيب، فإذا ظهر في الرجل عيب، وكرهته المرأة، فإن لها أن تطلب من الحاكم أن يفسخ نكاحها، ومن الفسخ إذا جاءت الفرقة من قبلها كما لو نشزت وطالت مدة نشوزها، فله أن يفسخها وكذا لو ارتدت عن الإسلام فللقاضي أن يفسخ النكاح بينهما، وهكذا فيكون بذلك الفسخ من قبل الحاكم.
وأكثر ما يكون إذا كان الزوج غائبا أو ظهر فيه عيب كعمى أو برص أو جذام أو جنون أو مرض مزمن أو ما أشبه ذلك، جاز للحاكم أن يفسخ ما بينهما من النكاح، وهذا الفسخ لا يحسب من عدد الطلقات، بمعنى أن زوجها لو رجع ووجدها قد فُسخ نكاحها، له أن يخطبها ولو كانت قد فسخت منه ثلاثا، له أن يخطبها ويعيد نكاحها.
وبهذا نعرف أن هذه الزوجية التي هي عقدة النكاح بين زوجين أجنبيين أنها ليست مثل الرق، الذي يعيبه غير المسلمين يعيبون أهل الإسلام به، ويقولون إن الرجل الذي يتزوج المرأة يحجزها ويحجرها في منزلها، ويضيق عليها ولا يترك لها حرية التصرف، ولا يترك لها الخروج متى أرادت، وتكون موقوفة على مصالحه ولا تتمكن من التصرف بنفسها وما أشبه ذلك.
وهؤلاء دعاة التحرر كما يسمون أنفسهم، يقولون: ندعو إلى أن نحرر المرأة من هذا الرق الذي جعلها الإسلام فيه، ولا شك أن هذا تهور وكذب على الإسلام، الإسلام جاء بهذا النكاح ومع ذلك جعله ينحل بهذه الثلاث بالخلع
(1) - سورة النساء آية: 130.
(2) - سورة النساء آية: 130.