شهرين وأمكن ذلك، قُبل منها شيء لا يعرف إلا من قبلها وأما في شهر فلا يُقبل إلا ببينة. إذا طلق الحر ثلاثا والعبد اثنتين حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره:
يقول:"إذا طلق الحر ثلاثا، أو العبد اثنتين لم تحل له حتى يطأها زوج غيره، يطؤها في قبل بنكاح صحيح مع انتشار، ويكفي تغييب حشفة ولو لم يُنزل، ولو لم يبلغ عشرا لا في حيض أو نفاس أو إحرام أو صوم فرض أو ردة".
ذكرنا أن أهل الجاهلية كانوا يطلقون بدون عدد، يطلقها وإذا شارفت على انقضاء العدة راجعها ثم يطلقها ثانية، وإذا شارفت على انقضاء العدة راجعها ثم الثالثة والرابعة والخامسة، وهكذا ولو إلى عشر أو عشرين هكذا، فجاء الإسلام بتحديد الثلاث، وأنها بعد الثالثة تحرم عليه ولا تحل له إلا بعد أن تنكح زوجا غيره، قال تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} [1] يعني الطلاق الرجعي وقال: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} [2] أي بعد الطلقتين ثم قال: {فَإِنْ طَلَّقَهَا} [3] يعني الثالثة {فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [4] .
فإذا طلقها الحر ثلاثا حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره، والعبد اثنتين لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره، ولا بد في ذلك الزوج أن يطأها، ولا يكفي العقد لو عقد عليها ولم يدخل بها وطلقها ما حلت للأول، فسروا قوله تعالى: {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [5] أن النكاح الذي هو الوطء، وفي ذلك قصة"امرأة رفاعة جاءت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقالت: إن رفاعة طلقني وبَتَّ طلاقي، وإني تزوجت بعده عبد الرحمن بن الزَّبِير، وإنما معه مثل هدبة الثوب فقال - صلى الله عليه وسلم - أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا حتى تذوقي عُسيلته ويذوق عسيلتك".
عبر بالعسيلة عن الوطء، أي لذة الوطء فلا يكون هناك رجعة إلى الزوج الأول، ولا حل له حتى يذوق الثاني عسيلتها، بمعني يطؤها زوج غيره، فلو وطئها في الدبر، ما حلت للأول لا بد أن يكون في القبل، ولو وطئها في نكاح فاسد لم يكفِ، كما لو تزوجها بغير شهود أو زوجته نفسها، فإن هذا أيضا لا يكفي حتى ولو دخل بها ولو بقي عندها مدة، لأنا نحكم بأنه نكاح فاسد لا بد أن يكون نكاح الثاني نكاحا صحيحا كامل الشروط.
وقوله"مع انتشار"الانتشار: هوالإنعاظ أي قيام الذكر، فلا يكفي أن يباشرها بدون انتشار، ويقول إني قد جامعتها وأنزلت؛ لأن هذا لا يسمى جماعا، يعني مجرد المماسة والمباشرة،"يكفي تغييب حشفة"، يكفي الوطء الذي يوجب الغسل، فإن الغسل يوجبه تغييب الحشفة في الفرج، أي تغييب رأس الذكر تغييب المدورة، ولو لم ينزل، إذا أولج رأس الذكر ولو لم ينزل واعترف بذلك، واعترفت هي فإنها تحل للأول إذا طلقها.
لو كان صغيرا دون عشر، الزوج الثاني مثلا تزوجها وعمره تسع سنوات وعشرة أشهر، ولكن يتصور منه الانتشار ويتصور منه الشهوة، ودخل بها وأولج فيها رأس ذكره، وطلقها بعد ذلك، أو طلقت عليه حلت للزوج الأول.
ثم استثنوا إذا وطئها وهي حائض، فإن هذا وطء فاسد وحرام لا يحللها للأول أو كذلك، وهي نفساء بأن طلقها زوجها الأول ثلاثا وكانت حاملا فولدت، وانقضت عدتها وتزوجت زوجا آخر وهي في النفاس، ودخل بها ووطئها وهي نفساء، فهل هذا الوطء إذا طلقها بعده يبيحها للأول؟ لا يبيحها أو وطئها وهي محرمة حرام وطء المحرمة،
(1) - سورة البقرة آية: 229.
(2) - سورة البقرة آية: 228.
(3) - سورة البقرة آية: 230.
(4) - سورة البقرة آية: 230.
(5) - سورة البقرة آية: 230.