فهرس الكتاب

الصفحة 598 من 722

أما قوله: في الحولين، أي: في مدة الرضاع قال الله تعالى: {* وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} [1] فيدل على أن الرضاع هو الذي يكون قبل الفطام، إذا تم الصبي حولين فطم عادة، ولا ما يجوز إرضاعه بعد الحولين.

العادة أنه يأكل ويتغذى لكن أجاز بعض العلماء من الحنفية الزيادة على الحولين، بعض الأطفال يكون نضو الخلقة ضعيف البنية، ومع ذلك يتم الحولين وهو لا يتغذى، ولا يقبل الطعام، فأباحوا الزيادة نصف سنة، ولكن لما جاء الحديث بأن الرضاعة قبل الفطام اقتصر على الحولين، فلا يحرم إلا إذا كان الرضاع في الحولين؛ لأنه الذي تحصل به التغذية في حديث عن عائشة:"دخل عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - وعندها رجل فكأنه أنكره قالت: أخي من الرضاع. قال - صلى الله عليه وسلم - انظرن من إخوانكن فإنما الرضاعة من المجاعة"يعني تأكدن من الأخوة، تحققن وتثبتن فليس كل من يدعي أنه أخ يكون أخا من الرضاعة"إنما الرضاعة من المجاعة"الرضاعة التي تحرم هي التي ترفع الجوع؛ وذلك لأن الرضيع يكون جائعًا، فإذا ارتضع فذلك الرضاع يشبعه يكون غذاء له، ويدفع الجوع عنه"إنما الرضاعة من المجاعة"ومعلوم أن الرضاع بعد ذلك لا يكون رافعًا للجوع، هذا هو الصحيح الذي عليه العمل أن رضاع الكبير لا يحرم، أي بعد الفطام ما كان بعد الحولين، ولو تغذى ولو كثر.

جاء حديث عن امرأة أبي حذيفة اشتكت للنبي - صلى الله عليه وسلم - وقالت: إن سالمًا إنما نعده ولدًا، وإنه قد بلغ مبلغ الرجال، وإني أرى أبا حذيفة يكره أو يسوؤه دخوله، فقال:"أرضعيه تحرمي عليه"مع أنه رجل ذو لحية. فأرضعته خمس رضعات، فكان يدخل عليها كأنه أحد أولادها، مع أنه كبير من العلماء من أخذ من هذا الحديث مطلقًا. أنه كبير.

من العلماء من أخذ بهذا الحديث مطلقًا، وقال: يحرم رضاع الكبير كما يحرم رضاع الصغير لهذا الحديث. ومنهم من قال: إنه خاص بسهلة امرأة أبي حذيفة، فهو من الخصوصيات للعلة التي ذكرت؛ لأنه كان مولى لهم وخادمًا لهم، مع أنه ليس مملوكًا، ولكنه مولى فيحتمل الخصوص، فلا يعارض الأحاديث الأخرى:"إنما الرضاعة من المجاعة"رضاع الكبير لا يرفع الجوع.

الرضاع إنما يحرم إذا أنبت اللحم، وأنشز العظم، رضاع الكبير لا ينبت اللحم، ولا ينشز العظم، ولا يحصل به الشبع، فلا يكون محرمًا، فيكون من خصائص سهلة امرأة أبي حذيفة.

عائشة -رضي الله عنها- عملت بهذا الحديث إذا أرادت أن يدخل عليها رجل من التلاميذ الذين يقرءون عليها، أو يستفيدون، أمرت أختها أو بنت أخيها أن ترضعه حتى يكون ابن أختها أو نحو ذلك، أما بقية أمهات المؤمنين فامتنعن من ذلك، وقلن: إن قصة سالم خصوصية.

ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- إلى أنا إذا وجدنا امرأة ابتليت بما ابتليت به سهلة، واضطرت إلى أن يدخل عليها هذا الرجل، فإنها إذا أرضعته حرمت عليه، وصار محرمًا لها، وأما سائر الناس فلا يحرم، فيكون خاصًا بمن كان مثل سهلة، هذا قول جمع بين الأحاديث.

كيفية الرضاع الأصل أنها الامتصاص: أن يمسك الثدي بشفتيه، ثم يمتص، إذا ولد الطفل ألهمه الله أن يمص ليكون ذلك المص كغذاء له، إلهامًا من الله، فالأصل أن الرضاع هو الامتصاص بالفم، فإذا انصب اللبن في فمه ابتلعه، لكن ألحقوا به غيره، فألحقوا به السعوط، لو جعلت اللبن مثلًا في إناء، وأدخلت قصبة في أنفه، وصبت مع تلك القصبة إلى أن وصل إلى حلقه، وابتلعه، يسمى سعوطًا، صدق عليها أنها أرضعته؛ لأن هذا اللبن وصل إلى جوفه، ولو مع غير الفم يعني دخل من المنخر أو المنخرين، فيكون غذاء يتغذى به هذا السعوط.

الوجور: إذا جعلت اللبن مثلًا في إناء صغير، وذلك الإناء قد يكون له ثعبة ينصب معها اللبن، فجعلت الثعبة في شدقه، وصبت مع تلك الثعبة ذلك اللبن، أصغت الإناء الذي فيه الثعبة حتى انصب مع الثعبة في جوفه، هذا يسمى الوجور.

(1) - سورة البقرة آية: 233.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت