إذا كان مثلًا الجد فقير، جدك فقير وأبوك غني، وأنت غني، من الذي ينفق على جدك؟ ينفق عليه ولده؛ لأنه أقرب، ولأنه الذي يرثه، فينفق عليه ولده ولا يقول: أنفق عليَّ يا ولد الولد.
أنت تقول: هناك من هو مثلي في الغنى، وأقرب لك مني. فينفق عليه ولده، فإن كان ولده فقيرًا، وأولاده كلهم فقراء، طالب ولد الولد.
فالحاصل أنه تجب عليه النفقة بالمعروف، يعني: بالمعتاد"لا إسراف ولا تقطير". ينفق على أبويه نفقة كفاف، فليس لهما أن يطالباه بالتوسع، فلا يقولان له: أنت في سعة، وأنت في ثروة، وعندك أموال طائلة، فنريد أن توسع علينا، نريد أن تسكننا في مساكن عالية، ونريد أن تفرش المساكن بفرش عالية، ونريد أن ترفهنا بالأمتعة الحسنة، ونريد أن تشتري لنا الكسوة الغالية، وأن تعطينا من أنواع اللحوم، ومن أنواع الفواكه، ومن أنواع الخضار، وما أشبه ذلك.
ليس لهما مطالبتك إلا بالنفقة بالمعروف، أي: النفقة المعتادة، ليست الزائدة. هذه نفقة أبويه: أبوه وجده"جده أبو أبيه، جده أبو أمه"، وكذلك أجداده وإن بعدوا: أمه وجدته"أم الأم، أو أم الأب"، وجدتها وجدة أبيه، وإن علت الجدات، كل هؤلاء يسمون أصولا، يلزمه أن تنفق عليهم، إذا لم يكن هناك أقرب منهم.
ثانيًا: الفروع.
الفروع هم الأولاد"ذكورًا وإناثًا"، وأولاد الأولاد، وأولاد أولاد الأولاد"ذكورًا وإناثًا"، ولو كانوا أجانب، إذا افتقروا ولم يكن لهم من ينفق عليهم، فإنه ينفق عليهم، فمثلًا: بنت بنتك قد تكون أجنبية، أبوها مثلًا الذي هو زوج بنتك فقير، وأمها التي هي بنتك فقيرة، وأنت غني، فعليك أن تنقذها"تعطيها نفقة الفقراء"، أي: تعطيها كفافًا، تنفق عليها بالمعروف.
كذلك مثلًا: ابن بنتك -أجنبي أيضًا- إذا افتقر وكان أبوه وكانت أمه، وكان أقاربه الذين يرثونه فقراء -فعليك نفقته، وبطريق الأولى ابن ابنك وبنت ابنك، الذين ينتسبون إليك، ولو كانوا بعيدا، ولو كانوا ابن ابن ابن ابن، أو كذلك بنت ابن ابن ابن، أو بنت بنت بنت ابن، أو بنت بنت بنت بنت، يعني: الفروع.
كلهم وإن سفلوا يسمون فروعًا لك، بمنزلة فروع الشجرة، أنت تعرف مثلًا أن ساق الشجرة له فروع، فهؤلاء الفروع هم أولادك"ذكورًا وإناثًا"، وأولادهم وأولاد أولادهم.
ساق الشجرة له عروق ممتدة في الأرض، هؤلاء هم الأصول، أصولك الذين هم آباؤك وأجدادك"ذكورًا وإناثًا"، فمثل هؤلاء تلزم نفقتهم لمن كان غنيًا.
قد تقول مثلًا: أنا لا أرث من ابني هذا"من ابن ابني"، إذا مات فإنه يرثه ابني، الذي هو أبوه المباشر وأنا جده، فكيف أنفق عليه وأنا لا أرث منه؛ محجوب بمن هو أقرب مني؟
الجواب: أن الذي حجبك فقير. صحيح أنه أقرب، أنت جده، أبوه موجود، ولكن أباه فقير وهو فقير، وكذلك أيضًا الأصول: إذا كان جدك فقيرًا وأبوك أيضًا فقيرا، لو مات جدك ما ترث منه ميراثه لأبيك؛ يحجبك أبوك، وإنما أنت الغني وأبوك فقير، وجدك فقير، وابنك فقير، وابن ابنك فقير، فتنفق على جدك مع أنك محجوب، وتنفق على ابن ابنك مع أنك محجوب؛ حجبك معسر.
هذا بالنسبة للأبوين وللفروع"يعني: الأصول والفروع"، بالنسبة للحواشي. الحواشي: هم الإخوة وبنوهم، والأخوات، والأعمام وبنوهم، هؤلاء الحواشي، أعمام الأب وأعمام الجد، أبناء العم وما أشبههم، هؤلاء أيضًا يعتبرون من الأقارب، لهم حق عليك، الدليل قوله -تعالى-: {وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ} [1] وقول الله -تعالى-: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى} [2] .
فلهم حق عليك: حق الصلة، وحق القرابة، وحق الهدية والزيارة والاستزارة، والإكرام والاحترام والبر ونحو ذلك، لكن بالنسبة للنفقة: متى تجب عليك نفقة أقاربك: إخوتك وأخواتك وأعمامك وبنوهم، متى تجب؟
(1) - سورة الإسراء آية: 26.
(2) - سورة النساء آية: 36.