مثال على المكافأة في الدين: الذمي الذي ليس بمسلم، ثبت في الحديث قول النبي - صلى الله عليه وسلم -"لا يقتل مسلم بكافر"حتى ولو كان ذلك الكافر معاهدا، دخل بلاد المسلمين بعهد، وحتى لو كان ذلك الكافر من أهل الذمة، يدفع الجزية، فلا قصاص بقتله؛ لعدم المساواة في الدين، ليس كفئا للمسلم، ولكن فيه الدية، والدليل قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ} [1] يعني معاهدين، {فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [2] .
وهكذا المكافأة بالحرية: فإذا كان المقتول عبدا فلا قصاص. إذا كان القاتل حرا، والمقتول عبدا؛ لأن العبد تدفع قيمته، يدفع ثمنه، يطالب سيده بقيمته، ولا شك أنه يترتب على قتله إثم؛ لأنه قد يكون له أولياء أحرار: قد يكون أبوه حرا، وأمه، وله إخوة، وله أولاد أحرار، فهذا القاتل فجعهم في ولدهم، فيقول: هذا قتل ولدي. وتقول: إنه قتل ولدي. وهذا يقول: إنه قتل أبي. وهذا يقول: إنه قتل أخي. فالجواب أنكم لم تفقدوا شيئا؛ لأنه ليس بحر؛ لا يقدر على أن ينفق عليكم، ولا أن ينفعكم، إنما الذي فقده هو سيده، فتدفع قيمته للسيد.
الشرط الرابع: عدم الولادة، ورد أنه - صلى الله عليه وسلم - قال:"لا يقتل والد بولده"؛وذلك لأن الولد فرع للوالد، فلا يقتص منه، ولو كان القتل عمدا، ولكن عليه الدية مغلظة.
وقع في عهد عمر - رضي الله عنه - قصة رجل من بني مدلج، اسمه قتادة، كانت له أمة مملوكة، فتسراها فولدت له ولدين. هذان الولدان نشأ مع أبيهما وظهرت فيهما الشهامة، فصارا يرعيان الغنم على أبيهما، ويحفظانها. قتادة هذا كانت له امرأة، فكانت تكره تلك الأمة، فتقول له: أرسلها ترعى الغنم. يقول أولادها: لا نسمح أن أمنا ترعى ونحن موجودون، نقوم بالرعاية كما هي، ونكفي أمنا.
فتحير الأب، الأولاد منعوا أمهم، والزوجة تلزم زوجها أن يرسلها ترعى؛ ليكون ذلك إذلالا لها. فغضب على أولاده الذين يقولون: لا تذهب أمنا، نحن نقوم بالرعي مقامها. غضب عليهم، فقتل واحدا منهم، ولما قتله وصل الأمر إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فجاء إليه وهو في برية، وقال: لولا أن الوالد لا يقتل بولده لقتلتك، ولكن ادفع مائة من الإبل، هذه المائة لولدها لأخيه؛ لأنه حر، لولده الحر، فلم يقتله؛ وذلك لأنه أبوه، فدل على أن الوالد لا يُقتل بولده. هذه شروط القصاص.
شروط استيفاء القصاص
وأما شروط الاستيفاء فهي ثلاثة: يبوبون عليها: باب استيفاء القصاص، وله ثلاثة شروط:
الشرط الأول: تكليف المستحق.
والشرط الثاني: اتفاقهم.
والشرط الثالث: أن يؤمن في استيفاءه تعديه إلى غير جانٍ، هذه شروطه.
التكليف هو البلوغ والعقل: فإذا كان للميت المقتول ورثة قاصرون، فلا يستوفى القصاص حتى يُكلفوا، حتى يبلغوا ويعقلوا؛ وذلك أنهم ربما يطلبون الدية إذا كُلفوا، فلا يُقتص من القاتل حتى يكون الورثة مكلفين، وهم المستحقون له، أولاد القاتل، أو ورثته إذا كانوا إخوة له
الشرط الثاني: أن يتفقوا على طلب القصاص: فلو كانوا -مثلا- أولاده عشرة، وله زوجتان مثلا، فطلبت إحدى الزوجتين الدية، أو طلبتها إحدى البنات -مع أنها لا تستحق إلا شيئا يسيرا- فإنه لا قصاص؛ لأن القصاص لا يتجزأ، بل يدفع عاقلة القاتل، أو القاتل نفسه، يدفع الدية.
في هذه الأزمنة يحدث الصلح على الدم، ولا على غيره. هناك -مثلا- قتيل له أولاد بلغوا، وله أبوان، وله زوجة أجنبية -ليست من القبيلة- أهل القاتل ذهبوا إلى الزوجة، وقالوا: لا فائدة لك بالقصاص، اطلبي الدية، حتى
(1) - سورة النساء آية: 92.
(2) - سورة النساء آية: 92.