يسقط القصاص، نحن نعطيك مائة ألف أو مائة وخمسين ألفا. مع أن ديتها إنما هي -مثلا- خمسة آلاف، أو نحوهاز فلما طلبت الدية سقط القصاص -مع أن أولاد الميت وأبويه يريدون القصاص- فإذا طلب الدية واحد من الورثة، ولو كانوا عشرين، فليس للبقية مخالفته، يلزمون بأخذ الدية، ولو كانت الدية قليلة.
الشرط الثالث: أمن الحيف، أمن التعدي في استيفاءه، مثاله: إذا كان القاتل امرأة حاملا، فهل تقتل وهي حامل؟ الحمل ليس له ذنب، عليها أن يتركوها إلى أن تضع، وبعد ذلك تُقتل؛ حتى لا يتعدى القصاص إلى غير الجاني؛ ذلك لأن تعديه يعتبر ظلما، وهكذا أيضا قالوا إذا: ولدت ولم يوجد لولدها من يحمله، فإنها تُترك إلى أن تفطمه مثلا، ثم يقام عليها الحد.
في هذه المدة يحدث أن القتيل يكون له طفل مثلا رضيع -ابن سنة أو نصف سنة- فإذا رفع الأمر إلى المحاكم قالوا: لا قصاص حتى يبلغ هذا الطفل، ربما يطلب الدية، فيتوقف القصاص. ثم في هذه الحال ماذا يفعل في هذا القاتل؟ يسجن، يدخل في السجن حتى يبلغ الصغير، أو يقدم الغائب، أو يُفيق المجنون، ولو طالت المدة.
معلوم -مثلا- أنه إذا كان الطفل له نصف سنة سوف يحبس هذا يحبس هذا القاتل خمس عشرة سنة إلا أشهرا، ولا شك أن حبسه إهانة له؛ وذلك لأنه تعدى على مسلم، فيحبس، ولا يمكن من الخروج.
أجاز بعض العلماء إخراجه بكفيل، ولكن أنت تعرف أن الكفالة لا تكون إلا في الحقوق المالية لا في الحقوق البدنية؛ وذلك لأنه قد يهرب، قد يغرِّر، ولا يدرى أين هو. فإذا بلغ الصغير أُحضر الكفيل: هل نقتلك يا كفيل؟ أنت لست القاتل، أحضر إلينا القاتل وإلا قتلناك؟ ما يجوز أن يقتل الكفيل، وهو ليس المعتدي؛ فلذلك لا تجوز الكفالة إلا لمن عليه حق مالي: كما إذا كان عليه دين، وأخرجه بالكفالة، وهرب ذلك المدين يُحضر الكفيل، ويغرم الدين. فأما كفالة من عليه حق بدني فلا يجوز.
إذن يبقى هذا القاتل في السجن، إن كان أحد الأولياء غائبا يسجن إلى أن يحضر ذلك الغائب، ولو طالت المدة، إن كان صغيرا يسجن إلى أن يبلغ الصغير، إن كان مجنونا يسجن إلى أن يُفيق ذلك المجنون. إلا إذا قرر الأطباء أنه لا شفاء له، أو يغلب على الظن أن يبقى على جنونه، ففي هذه الحال يعدل إلى الدية؛ نظرا لحق هذا المجنون.
لكن إذا قال إخوته الأصحاء: نحن نعطيه الدية من أنفسنا، الدية التي سوف تؤخذ من هذا القاتل قد يكون نصيبه منها -مثلا- عشرة آلاف، أو عشرين ألفا، نحن نضمنها له، نريد أن ننتقم من هذا القاتل، نريد أن نقتله، ولا يبقى ونحن ننظره. فلهم ذلك.
الاستيفاء يكون بحضرة السلطان أو نائبه، استيفاء القصاص، ويمكن ولي القتيل أن يقتله هو، فيعطى سيفا مثلا، أو بندقا، ويقال: هذا قاتل أبيك، أو أخيك، اقتله. إذا كان يحسن، ولكن لا بد أن يكون السلطان كالقاضي -مثلا- أو وكيلة حاضرا استيفاء القصاص، حتى لا يستوفى على غير صفة مألوفة.
كيفية استيفاء القصاص
يقول: وبآلة ماضية القصاص يكون بآلة ماضية -يعني- بآلة حادة: إذا كانت -مثلا- سيفا يكون سيفا حادا، وإذا كانت -مثلا- خنجرا، يؤمر بأن يقطع رأسه، تكون أيضا حادة، وإذا كانت بندقا -يعني يرميه- يكون معروفا بالإصابة، ثم أكثرهم على أن القصاص لا يكون إلا بالسيف، بضرب العنق.
ورد حديث في السنن"لا قود إلا بالسيف"أي: لا قصاص إلا بالسيف، هكذا جاء هذا الحديث، والحديث فيه مقال، ولكن كأنهم يقولون: نختار العمل به، ولو كان ضعيفا؛ لأنه أرفق بالقاتل، ولأنه ورد الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"إذا قتلتم فأحسنوا القتلة". فيكون أحسن القتل الشيء الذي يريح القاتل، بحيث لا يتعذب، فلا يجوز تعذيبه.
أطعنه هنا، وهنا ولو قال الولي: إن هذا مَثَل بأخي، أو بابني، طعنه عشرين طعنة، فأنا أريد أن هنا، حتى أشفي غيظي؛ لأنه طعن أخي أو ابني. فهل يُمَكَن؟ الحديث يقول"إذا قتلتم فأحسنوا القتلة"لا يُمَكَّن من ذلك على المختار.