ذهب بعض العلماء إلى أنه يُمَكَّن، وأنه يقتل بمثل ما قَتَل به، واستدلوا بآيات من القرآن في سورة البقرة: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [1] والمثلية تقتضي المساواة، وفي آخر سورة النحل: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [2] المثلية -أيضا- تقتضي المساواة، وفي سورة الشورى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [3] ونحو ذلك من الآيات. فإنها دالة على أن من أراد أن يُعاقِب فله أن يأخذ الثأر، أن يأخذ الثأر من ذلك المعتدِي عليه، وأن يفعل به كما فعل.
ومن الأدلة -أيضا- قصة تلك الجارية من الأنصار، وجدت قد شدخ رأسها -رض بين حجرين- وعثروا عليها وفيها رمق -بقية حياة- فسألوها: من فعل بك هذا .. فلان .. فلان ... حتى سموا يهوديا، فأشارت برأسها أن نعم، أُحضر ذلك اليهودي، وضُيِّق عليه فاعترف، أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يشدخ رأسه -أن يقتل به بين حجرين- وضع رأسه على حجر، وشدخ بالحجر الثاني على مثل ما قتل به الجارية، وفي هذا -أيضا- دليل على أن الذكر يقتل بالأنثى. فهذا دليل من يقول: إنه يقتل بمثل ما قتل به. ويجيبون أن الحديث ضعيف: وهو"لا قود إلا بالسيف".
وأما حديث:"إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة"فالمراد إذا كان القتال قتالا مباحا كقتال المشركين؛ ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ينهى المسلمين عن التمثيل، يقول:"لا تغدروا ولا تمثلوا"أي لا تمثلوا بالقتلى. التمثيل أنهم إذا قتلوا قتيلا قطعوا أنفه، وفقئوا عينه، و شرموا شدقه مثلا، وبقروا بطنه، وأخرجوا قلبه -يعني- مثلوا به بعد أن، يُقتل لا فائدة بهذا التمثيل، فنهى عن التمثيل، فهذا معنى:"إذا قتلتم فأحسنوا القتلة".
ثم قال هؤلاء الذين قالوا يقتل بمثل ما قتل به: إذا قتله بفعل محرم فكيف يفعل؟ قالوا: يحرص على المماثلة، ممن قال ذلك، واختاره ابن حزم وصاحب المحلى، فيقول مثلا: لو قتله بفعل اللواط الذي هو محرم؛ يعني قد يكون هناك بعض الفسقة، يغصب صبيا، ثم يلوط به، فيموت تحته بهذا الفعل، فكيف يقتل هذا اللوطي؟ اختار ابن حزم أنه يدخل في دبره وتد، أو خشبه، حتى يقتل، حتى يموت بذلك حرصا على المماثلة، هكذا قال.
وإذا قتله بسقيه خمرا -يعني جرعه خمرا إلى أن مات - الخمر محرم، يقولون: يسقى ماء إلى أن يمتلئ بطنه، وتتشقق أمعاؤه، فيموت بذلك كما مات بالخمر. هذه تقديرات، ولكن الأولى العمل بالقول الأول الذي هو إحسان القتل لعموم:"إذا قتلتم فأحسنوا القتلة".
نتوقف عند الفصل الثاني، ونواصل فيه غدا -إن شاء الله-، والله أعلم وصلى الله على محمد.
س: أحسن الله إليكم فضيلة الشيخ فهذا يقول: هل للعبد المملوك دية؟ فإن كان له دية فلمن تدفع؟
ج: ديته قيمته. بمعنى أنه سلعة يباع ويشترى، فتقدر قيمته، وتدفع لسيده.
س: أحسن الله إليكم وهذا يقول: في حالة أنني أقود سيارة، وقمت بصدم شخص، فمات، ولم أقصد ذلك، فماذا عليَّ؟، وهل من توبة؟ وماذا علي لو كنت مسرعا، أو كنت غير مسرع، وجزاكم الله خيرا؟
ج: حوادث السيارة تلحق بالخطأ، ليس فيه قصاص، ولكن فيه الدية. فإذا كان حصل منه تهور، وسرعة جنونية، ومخاطرات كالذين يجاكرون لما يقولون، أو يفحطون، فهؤلاء -لا شك- أنهم متسببون، فتغلظ عليهم الدية، وكأنه شبه عمد.
(1) - سورة البقرة آية: 194.
(2) - سورة النحل آية: 126.
(3) - سورة الشورى آية: 40.