القتيل، وأباح لهم أن يقتلوا، أو يقتصوا، وها هنا قد اقتصوا الذي لهم، وكون هذه القصاص، هذا القود حصل منه الموت، ليس بسبب المجني عليه، وإنما هو بسبب القصاص"الحق قتله"سواء كان هذا في النفس، أو فيما دون النفس، فهذا هو الفرق.
يقول: ولا يقتص عن طرف وجرح، ولا يطلب لهما دية، قبل البرء أي: قبل تمام البرء.
روي: أن رجلا طعن رجلا في ركبته بقرن تيس، أو نحوه، ولما طعنه في ركبته، وصل العظم، وصل إلى العظم، عظم الركبة، أو تحتها فجاء ذلك المجني عليه، وقال: يا رسول الله، اقدني، مكني أن أقتاد منه أطعنه بقرن كما طعنني، قال: اصبر حتى تبرأ فصبر أياما، أو جاء، فقال أقدني تردد عليه، وهو يقول: اصبر حتى تبرأ، ولكن استعجل فمكنه وضرب بالقرن في ركبته إلى أن وصل إلى العظم، الجاني برئ جرحه بسهولة، المجني عليه تسمم مثلا، فعابت رجله، وعرج، وصار فيه عرج، فرجع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: عرجت يا رسول الله، فقال: قد نصحتك -يعني: نهيتك عن الاقتياد حتى تبرأ، ولكن امتنعت.
فلذلك أخذوا أنه لا يقتص إلا بعد البرء؛ مخافة التسمم؛ أو مخافة التآكل؛ أو مخافة حدوث عيب، أو ما أشبه ذلك.
فلو كان الجرح مثلا في سن قلعه ذلك الجاني، السن مكانه قد يتأثر، المجني عليه قال: أريد قلع سنه كما قلع سني نقول له: انتظر حتى يبرأ أثر قلع السن، ولكنه ما صبر، وقال: أريد أن أقلع سنه مكنه الشرع، وقلع سن الجاني، ثم إن المجني عليه تآكل مكان السن، فاحتاج إلى قلع الأسنان كلها، الأسنان السفلى مثلا، فإنا نقول للمجني عليه: أنت استعجلت لو تركت الأمر حتى تبرأ، ويعلم ما يتأثر به ... ما تتأثر به أسنانك لكان أولى لك.
ففي هذه الحال هو الذي استعجل، ولا شيء له؛ فلذلك قالوا: لا يطلب لهما دية إلا بعد البرء، (لهما) الضمير يرجع إلى الطرف والجرح، الطرف مثل اليد والعين، والجرح مثل الموضحة التي هي الجرح في العضد والساق، أو الموضحة والرأس، أو في الوجه لا يطلب لهما دية قبل البرء، ولا يقتص لهما قبل البرء؛ مخافة أن يتأثر ذلك الجريح، ويحصل الضرر عليه. على من تجب الدية
الفصل الذي بعده: هو دية العمد على الجاني وغيرها على عاقلته: عرفنا أن القتل ثلاثة: عمد وشبه عمد وخطأ، فدية العمد على الجاني يتحملها، وأما الخطأ وشبه العمد، فعلى العاقلة القرابة، قرابة ذلك القاتل تحمل الدية عنه؛ وذلك لأنه غير متعمد، وليس بآثم، وإنما حصل منه على غير قصد، فمن حقه على أقاربه تحمل هذه الدية،"غيرها"يعني: غير العمد على عاقلته.
ذكر بعد ذلك صورا يعني: وجوب الدية فيها، ومن قيد حرا ومكلفا قيده يعني: ربط رجليه، وربط يديه، وأصبح متحسرا لا يقدر على التخلص فجاءته حية، فنهشته فمات، أو جاءه أسد فافترسه، أو كذلك غيره جاءه فافترسه، أو أصابه، أو حتى نزلت عليه صاعقة، هذا الجاني اعتدى على حر مسلم وقيده، وأوثقه لا شك أنه أخطأ، عليه الدية، قد يقول: كيف أدفع الدية، والذي قتله غيري، الذي قتله هو هذا السبع، أو هذه الصاعقة، أو هذه الحية، ما أنا الذي قتلته؟
الجواب أنت الذي تسبب، حيث قيدته لم يقدر على أن يهرب من السبع، ولا أن يتخلص من الحية، ولا أن يهرب من مكان الصاعقة، فعليك ديته؛ لأنك ربطته بهذا الرباط الذي قيده حتى لم يتخلص.
الدية على هذا المقيِّد المكلف الحر البالغ العاقل ... حرا مكلفا، إذا كان مملوكا، فعليه قيمته لسيده.
أو غله: الأغلال هي أن تربط الأيدي في الرقبة، قال -تعالى-: {إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ} [1] {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ} [2] يعني: ربطت في أعناقهم.
(1) - سورة غافر آية: 71.
(2) - سورة المائدة آية: 64.