فهرس الكتاب

الصفحة 671 من 722

في إفساده؛ فلذلك يرى بعض المشايخ أن بدل النفي السجن، يدخل في السجن لمدة سنة ويكون بذلك قد يكون قد ... قد تاب إذا سجن وضيق عليه فلعله يتأثر ويبتعد عن الأماكن التي فيها فساد.

والحاصل أن هذه العقوبة تكون زاجرة عن هذا الذنب الكبير، والذين عطلوها انتشرت فيهم الفواحش في بعض البلاد التي هي بلاد إسلامية أو فيها إسلام عطلت فيها هذه الحدود، فلا يسمع فيها بجلد على زنى، وكذلك بسجن عليه ولا برجم، بل يوجد فيها الإباحية، حيث يدعون أنه إذا بذلت المرأة نفسها باختيارها وبدون غصب أو نحوه فهو حق لها بذلته باختيارها فكيف مع ذلك تعاقب؟! والذي فعل بها ما غصبها فلا عقوبة عليه؛ لأنها بذلت ما تملكه. فيعطلون هذا، بل يمنعون أباها، من التصرف فيها ومن منعها إذا كانت تفعل ذلك باختيارها، لا يقدر أبوها ولا ولي أمرها. فلا شك أنه بهذا تنتشر هذه الفواحش؛ لأن المرأة معها شهوة؛ ولأنها ضعيفة الإرادة؛ ولأن إيمانها ضعيف فليس معها ما يزجرها، فإذا سمح لها وجدت من يفجر بها مع كثرة الأشرار والفجار قد تعظم المصيبة ويكثر الفساد؛ فلذلك انتشرت الفواحش في تلك الدول التي أباحت للمرأة بذل نفسها، أما إقامة الحدود في البلاد التي تطبق شرع الله فإن الفوضى .. الفواحش فيها أقل وإن كان الشر كثيرا.

لما ذكر الجلد والتغريب، ذكر الرقيق، الرقيق المملوك عقوبته خمسون جلدة ذكر أم أنثى، أخذ ذلك من القرآن الكريم في سورة"النساء"ذكر الله تعالى الإماء في قوله تعالى: {فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [1] المراد الإماء، إذا أتين بفاحشة يعني بزنى، فعقوبتها نصف عقوبة المحصنة، العقوبة التي في القرآن للمحصنات مائة جلدة، نصفها خمسون جلدة، فإذا زنت الأمة فإنها تجلد خمسين جلدة ولا تغرب، ولا يغرب الرقيق ذكر أم أنثى؛ لأن تغريبه يفوت منفعته وخدمته لسيده، والسيد ما أذنب.

الصحابة بعضهم فهموا من قول الله تعالى: {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [2] أن المراد بإحصانهن الزواج، فقالوا:"يا رسول الله، إذا زنت الأمة ولم تحصن، يعني: ما عقوبتها؟ فقال: إذا زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بحبل من شعر"وفي حديث آخر"إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب"يعني: لا يوبخها بهذا ولا يعيبها ويعيرها؛ لأن الزنى في الإماء كثير، وأما في الحرائر فإنه عيب.

وفي قصة مبايعة النبي - صلى الله عليه وسلم - للنساء في قريش كان من جملتهن هند بنت عتبة أم معاوية امرأة أبي سفيان بايعهن وقرأ عليهن الآية في آخر سورة الممتحنة: {عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ} [3] فلما قال: لا يزنين، قالت: إحم يا رسول الله! وهل تزني الحرة؟! استغرابا واستنكارا، إن الزنى إنما يكون في الإماء، في المماليك، وكان كثير من مواليهن يكرهون .. ذكروا"أن ابن أبي المنافق كان له أمتان، فكان يكرهها ويقول: اذهبي فابغي لنا"البغاء: هو الزنى، البغي هي الزانية يكلفها ويكرهها أن .. أن تذهب وتزني وتأخذ أجرة وتأتي بها إلى سيدها،"اذهبي فابغي لنا"أنزل الله تعالى: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} [4] البغاء: يعني الزنى، أي: لا تكرهوهن على فعل فاحشة الزنى إذا أردن تحصنا وتحفظا، {وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (33) } [5] إذا أكرهت، سواء أكرهت على الزنى، أو أكرهها سيدها على أن تزني فلا ذنب عليها، والذنب على سيدها.

فالحاصل أن الرقيق ذكرا أو أنثى حده خمسون، خمسون جلدة وليس عليه تغريب، وأما المبعض فبحسابه، إذا كان -مثلا- نصفه، يعني نصفه حر ونصفه رقيق، فيجلد بكونه رقيقا خمسين، ويجلد نصفه خمسة وعشرين، فيكون جلد الذي نصفه حر خمسا وسبعين جلدة، والتغريب: يغرب ثلاثة أشهر؛ لأنه سقط عنه النصف، سقط عنه التغريب كله؛ بسبب كونه رقيقا، ولما كان نصفه رقيقا أخذنا نصف النصف فغربناه ربع السنة، هذا ما نقول: إنه"مبعض بحسابه"هما.

من المراد بالمحصن في قوله: فيرجم وإن كان محصنا. المحصن من وطئ زوجته بنكاح صحيح في قبلها ولو مرة، يعني من تزوج زواجا صحيحا كامل الشروط، ودخل .. دخل بامرأته وتمكن منها ووطئها في نكاح صحيح، وطئها ولو مرة واحدة صدق عليه أنه محصن، وأنه هو الذي يرجم.

يشترط للرجم ثلاثة شروط: حقيقة الزنى: تغييب حشفة أصلية في فرج أصلي لآدمي ولو دبرا، يعني سواء وطئ في الدبر: الذي هو فاحشة اللواط، وطئ ذكرا أو أنثى، أو في القبل: الذي هو الفرج، ويكفي تغييب رأس الذكر يعني إلى حد الختان، لأن في الحديث"إذا التقى الختانان"تغييب الحشفة إلى حد الختان. الحشفة الأصلية: يخرج ما إذا كان له ذكر زائد فإن لا حكم له،

في فرج أصلي لا في فرج غير أصلي، لو كان هناك -مثلا- ما يسمى بالخنثى، وكان له فرج غير أصلي أو مشكوك فيه فلا يبقى هذا الحكم،"لآدمي"كأنهم أرادوا أن ينبهوا على أن من وطئ البهيمة فلا يحد؛ لأن الزنى الحقيقي وطء آدمي، يعني: ذكر أم أنثى ولو دبرا صرحوا بأنه إذا وطئ في الدبر فإنه يعتبر زانيا.

وقد اختلف في حد فاحشة اللواط الذي هو فعل قوم لوط، -نعوذ بالله-، الذي عاقبهم الله تعالى عليه.

يقول الله تعالى: {أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ} [6] وفي آية أخرى: {أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (165) } [7] اشتهر هذا الفعل في قوم لوط فنسب هذا الفعل إليهم، لوط -عليه السلام- بريء منهم، ثم صارت هذه الفاحشة تسمى: اللواط، وفاعلها يقال: هذا لوطي، والفعل يقال: لاط فلان أو لاط به يلوط به، أخذا من هذه الكلمة وهي .. هي وطء، الوطء في الدبر، وحيث إنه مستقبح طبعا وأن المفعول به ليس له شهوة، ليس هناك شهوة في دبره تحمله على أن يبذل نفسه، ولكن قد يكون مكرها، يكره على هذه الفاحشة أو -مثلا- يبذل له أجرة على أن يمكن من نفسه، وقد ذكر بعض العلماء أنه إذا قيل له: إما أن تمكننا من نفسك وإلا قتلناك، أنه يفضل القتل.

يقول ابن القيم: وذلك لأن نطفة اللوطي مسمومة يعني أنه إذا فعل .. فعل فيه، فإنه يألف ذلك وقد يطلب من يفعل فيه- والعياذ بالله -؛ فلذلك يفضل أنه يقتل، يقول: اقتلوني ولا أمكنكم من أن تفعلوا فيّ. ومع ذلك قد انتشرت هذه الفاحشة في كثير من الدول، وهي الفعل في الصبيان وفي الذكور -والعياذ بالله -وأصبحت كأنها مألوفة ليست تستنكر. وجدت في عهد الصحابة، في عهد أبي بكر كتب خالد لأبي بكر: أنا قد وجدنا رجلا ينكح كما تنكح المرأة، فعند ذلك جمع الصحابة واختلفوا، ثم اتفقوا على أنه يحرق؛ وذلك لعظم ذنبه، يعني كأنهم قالوا: إن هذا

(1) - سورة النساء آية: 25.

(2) - سورة النساء آية: 25.

(3) - سورة الممتحنة آية: 12.

(4) - سورة النور آية: 33.

(5) - سورة النور آية: 33.

(6) - سورة الأعراف آية: 80 - 81.

(7) - سورة الشعراء آية: 165.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت