ذنب كبير فنرى من بشاعته أنه يحرق هذا اللوطي ولو كان هو المفعول به، وقال بعضهم - بعض الصحابة-: إنه يلقى من شاهق ثم يتبع الحجارة كما فعل بقوم لوط؛ لأن الله تعالى قال: {جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83) } [1] أي من فعل مثل فعلهم فليس عقوبتهم بعيدة منهم، إذا ألقي فقد لا يموت, إذا ألقي من شاهق، بعد ذلك يرجم؛ لأن الله قلب ديارهم عليهم، ثم بعد ذلك رجمهم.
والقول الثالث: أنه يقتل واستدلوا بحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به"والقتل يقتضي قتله بالسيف أو نحو ذلك؛ وذلك زجرا لمن يفعل ذلك، وقضاء على هذا الفعل الشنيع واختيار المؤلف هنا أنه مثل الزنى أن حده مثل حد الزنى، إن كان محصنا، يعني قد تزوج سواء الفاعل أو المفعول، فإنه يرجم، وإن كان لم يتزوج- سواء فاعلا أو مفعولا- يجلد ويغرب؛ ولذلك قال:"ولو دبرا"، يعني ولو كان الفعل في دبر أي دبر آدمي. وأما إتيان البهيمة فلم يذكروا ذلك؛ لأنهم الحديث الذي ورد فيه يظهر أنه فتيا من بعض الصحابة،"من وطئ بهيمة فاقتلوها واقتلوه .. فاقتلوه واقتلوها معه"يظهر أنه فتوى من بعض الصحابة.
الشرط الثاني:"انتفاء الشبهة"لو قال: أنا وطئتها؛ لأني قد .. كنت طلقتها وراجعتها وظننت أن المراجعة تامة، وقيل له: إنك لم تراجعها إلا بعد العدة فلا رجعة لك. فهذا له شبهة، وكذلك لو قال: أنا وطئتها أظنها زوجتي أو أظنها أمتي، وجدتها في بيتي فوطئتها، يكون هذا -أيضا- عذرا له وهكذا وطء الشبهة.
الشرط الثالث: ثبوت الزنى: بأي شيء يثبت؟ يثبت بالبينة والإقرار، البينة لا بد أن يكونوا أربعة؛ لقول الله تعالى:
{فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ} [2] ؛ ولقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} [3] ؛ ولقوله في آية الإفك: {لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} [4] فاختص الزنى بأنه لا بد من أربعة شهداء يشهدون عليه، وهؤلاء يكونون رجالا، لا تقبل شهادة النساء ولا بد من العدالة، فلو كان فيهم فاسق أو مقدوح في عدالته لم تقبل شهادته، ولا بد أن يشهدوا جميعا في مجلس واحد، فلو جاء اثنان في مجلس واثنان في مجلس، لم يثبت بذلك الزنى، فلا بد أن يجتمعوا في مجلس واحد ولا بد أن يشهدوا بزنى واحد، فلو قال هذا: هؤلاء أو هذان زنيا يوم السبت، وقال الآخران: زنى يوم الأحد، شهد بزنى مرتين، بزنى متكرر فلا يثبت.
وكذلك لا بد من وصفه بأن يقولوا: رأيناه يزني، رأيناه بأعيننا يزني بهذه المرأة أو بفلانة زنى صحيحا، بعض المشايخ وبعض العلماء قالوا: لا بد أن يشهدوا الأربعة بأنهم رأوا فرجه في فرجها أو ذكره في قبلها، ولكن يظهر أن هذا ليس بشرط، ولكن إذا تأكدوا أنه يزني بها وإن لم ير الفرجان اكتفي بذلك؛ لأنه عادة لا يتمكن من رؤية الفرجين، قد يكونان ملتحفين -مثلا- أو نحو ذلك، فبكل حال إذا قالوا: نتأكد ونوقن بأنه قد زنى بها وأنه قد أولج فرجه في فرجها، وإن لم نر الفرجين، ولكن نتحقق في بذلك قبل، قبلت شهادتهما، فلا حاجة إلى ما شدد به الفقهاء في ذلك، فإن مع تشديدهم لن يتمكن من إقامة الحد بهذه الشهادة.
(1) - سورة هود آية: 82 - 83.
(2) - سورة النساء آية: 15.
(3) - سورة النور آية: 4.
(4) - سورة النور آية: 13.