ذكر عن شيخ الإسلام أنه يقول: لم يقع رجم منذ عهد الصحابة إلى عهدنا هذا بشهود، هذا ما ذكره الفقهاء؛ لأنه ما يتصور أنهما يكشفون عن الفرجين. يعني طوال هذه القرون ما ثبت الزنى بأربعة شهود يصفونه، يقولون: رأينا قبله في قبلها، أو رأينا فرجه في فرجها، ما يمكن؛ فلذلك يكتفي بالعلم.
الشهود الذين شهدوا على اليهودي، قالوا: نعم رأينا فرجه في فرجها، ولكن يظهر أن ذلك مجرد يقين، يعني: علمنا وتيقنا أنه أولج في فرجها، وأنه زنى بها زنى صريحا، هذا الذي يثبت به أولا.
ثانيا: الإقرار، أن يعترف به أربع مرات مع حقيقة الزنى، مع حقيقة الوطء، وهكذا قرر النبي - صلى الله عليه وسلم - ماعزا لما جاء معترفا، فقال له:"لعلك قبلت أو غمزت أو لمست"يعني فعلت مقدمات فقال:"لا". فقال:"أتدري ما حقيقة الزنى؟، قال: نعم أتيت منها حراما ما يأتي الرجل من أهله حلالا"يعني أنه أولج فيها، يعني جماعا كاملا. فهذا هو حقيقته، أن يعترف بحقيقة الزنى.
اشترطوا أن يبقى مقرا بهذا الزنى حتى يفرغ من رجمه أو يفرغ من جلده يبقى معترفا، فإن تراجع فإنه يدرأ عنه. هذا قول؛ وذلك لأنهم ذكروا أنهم لما بدءوا في رجم ماعز وكانوا لم يقيدوه يقول جابر:"كنت فيمن رجمه فلما أغلقته الحجارة هرب، فلحقناه حتى أدركناه بالحرة فرجمناه حتى مات"ذكروا أنه لما ذكر للنبي - صلى الله عليه وسلم - أنه هرب قال:"هلاّ تركتموه؟!"يعني لما هرب يخاف أن ذلك منه تراجع.
اعتبر بعض الشراح والعلماء أن معنى قوله:"هلا تركتموه"، يعني حتى تتأكدوا أو تأتوا به إلينا، والصحيح أنه إذا ثبت بإقراره واختياره ودون إكراه واعترف على نفسه، فإنه والحال هذا يقام عليه الحد، ولو قال: إني ندمت أو إني كذبت أو تراجع أو ما أشبه ذلك لا يقبل تراجعه، وهكذا -أيضا- الشهود لو قال أحد منهم بعدما تمت الشهود وكتبت- لو قال: إني رجعت أو إني أخطأت في الشهادة عليه إذا كان قد طرق باب الشهادة. انتهى ما يتعلق بالزنى. حد القذف وشروطه
ذكر بعده حد القذف، والقاذف: هو الذي يقذف المحصنات، يجلد حر ثمانين، ورقيقا نصفها، ومبعض بحسابه، قال الله تعالى {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [1] شرع حد القذف؛ حماية للأعراض؛ لأن بعض الناس قد يظلم أحدا فيعيبه ويقول: إن فلانا زنى مع أنه لم يكن زانيا، وقد عرف أنه لم يكن من أهل ذلك، فهذا الذي قذف محصنا وعابه وألحق به عارا وألحق به عيبا، لا شك أنه قد ارتكب في حقه إثما، وأنه قد ظلمه، فهذا الذي قذف يقول: إن هذا قد نشر عني سمعة سيئة وألصق بي تهمة شنيعة فأريد أن أنتقم منه وأريد أن آخذ بثأري منه، الشرع أنصفه، إذ جعل في القذف حدا وهو الجلد، إذا رمى محصنا أو محصنة بزنى صريح، فإنه إذا لم يكن عنده بينة فعليه الحد، يقال: أنت قذفت فلانا ائت بأربعة شهداء وإلا فالحد عليك، المحصن يعني: محصنا من قذف محصنا حده ثمانون إذا كان حرا، ونصفها إذا كان مملوكا،"ومبعض بحسابه"إذا كان نصفه حرا، فإنه يجلد أربعين؛ لكونه رقيقا ويجلد عشرين؛ لكون نصفه حرا، إذا قذف محصنا، من المراد بالمحصن؟ المحصن هنا: الحر المسلم العاقل العفيف {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} [2] فكذلك الرجال أما إذا قذف عبدا، إذا قال: هذا العبد زان أو زنى فلان، فإنه والحال هذا لا حد على القاذف؛ لأن العبد والأمة لا يلحقهما عار كما يلحق الحر؛ ولأن الزنى معروف وقوعه كثيرا في الإماء والمماليك ونحوهم، كذلك لا بد أن يكون مسلما، فإذا قذف كافرا ولو ذميا فلا حد على القاذف؛ لأن الكافر، وإن لحقه عار ولكن ليس كالعار الذي يلحق المسلم.
(1) - سورة النور آية: 4.
(2) - سورة النور آية: 4.