بعد ذلك ذكر حكم صلاة الليل زيادة على الوتر يقول:"تسن صلاة الليل بتأكد، وهي أفضل من صلاة النهار"، يعني تتأكد؛ وذلك لأنه روي أنها كانت مفروضة على النبي - صلى الله عليه وسلم - لقوله تعالى: {قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) } [1] ولقوله: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ} [2] يعني زائدا في حقك، أو أنها تعتبر نافلة، ولكنها مؤكدة.
وقد كثرت الأدلة عليها، وصنفت فيها المؤلفات، منها كتاب لبعض المتأخرين طبع في مجلدين عنوانه"رهبان الليل"، أطال فيه في فضل التهجد، والأدلة فيه، وصفته، وما إلى ذلك.
وليس لصلاة الليل حد محدود؛ لأن الله تعالى أطلق في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) } [3] ولم يحدد لهم عددا، فيجوز لهم أن يتنقلوا من قيام إلى ركوع إلى سجود إلى قراءة سجدا وقياما.
وقال تعالى: {أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا (( (( (( (( (( } [4] آناء الليل: يعني ساعات الليل، ووصف الله نبيه وصحابته قال تعالى: {* إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ} [5] يعني قريبا من ثلثي الليل {وَنِصْفَهُ} [6] أي وتقوم نصفه {وَثُلُثَهُ (( (( (( (( (( (( مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ} [7] فأخبر بأن هذا هو حالتهم، وكذلك وُصف الصحابة -رضي الله عنهم- بذلك في قول الشاعر:
بالليل رهبان وعند جهادهم ... لعدوهم من أشجع الأبطال
أي أنهم في الليل يصلون، ويتهجدون، ويدعون ربهم، ويتضرعون إليه، ويكثرون من العبادة.
وليس لصلاة الليل حد -يعني أنها تقتصر على عدد-، وأما ما ذكرت عائشة من"أنه - صلى الله عليه وسلم - ما زاد على إحدى عشرة ركعة"؛ فإن هذا في الغالب، يعني أنه في الغالب لا يزيد.
ولكن قد ورد أنه زاد في حديث عن عائشة آخر قالت:"كان يصلي من الليل ثلاث عشر ركعة يوتر من ذلك بخمس"أثبتت عائشة الزيادة.
(1) - سورة المزمل آية: 2.
(2) - سورة الإسراء آية: 79.
(3) - سورة الفرقان آية: 64.
(4) - سورة الزمر آية: 9.
(5) - سورة المزمل آية: 20.
(6) - سورة المزمل آية: 20.
(7) - سورة المزمل آية: 20.