اختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية وذكر أن السفر يحدد بالزمان لا بالمساحة فهو يقول لو أن إنسانا قطع مسافة طويلة، لا تقطع إلا في يومين، ورجع في يومه فلا يقصر ولا يترخص، ولو قطع مسافة قليلة في زمن طويل، فإنه يترخص فجعل العلة هي طول الزمان ولم يكن في زمانه أسرع من الخيل فضرب بها -مثلا- فقال: لو ركب إنسان فرسا سابقا وقطع مسافة لا تقطع إلا في يومين، ثم رجع في يومه فلا يترخص.
جعل العبرة بالزمان هكذا تجدون كلامه في المجلد الرابع والعشرين في رسالة طويلة لأحكام السفر، وقد لخص كلامه أيضا الشيخ عبد الرحمن بن قاسم في حاشيته على الروض، فاختار أيضا أو نقل اختياره أن السفر يقدر بالزمان فعلى هذا -مثلا- لو أن إنسانا خرج عن الرياض ثلاثين كيلو وطال مقامه جلس هناك -مثلا- يومين، فله أن يترخص، ولو وصل -مثلا- إلى القصيم، ورجع في يومه فلا يترخص نظرا إلى الزمان، وكذلك لو سافر في الطائرة وصل -مثلا- إلى جدة، ورجع في يومه فلا يترخص، هذا هو الذي رجحه شيخ الإسلام، وهو نظر إلى العلة، وهو أن العلة هي يعني: الزمان الذي يغيب فيه عن أهله.
يقول: الإنسان -مثلا- إذا غاب -مثلا- نصف يوم، ولو وصل إلى أطراف المملكة، ما يفقده الناس، ولا يأتون يسلمون عليه، ولا يأتون يهنئونه بسلامته من السفر، ولا يظنون أنه سافر بخلاف ما إذا غاب يومين أو ثلاثة أيام، ولو كانت مسافة عشرين أو ثلاثين كيلو، فإنهم يفقدونه ويأتون إليه للسلام عليه، ويهنئونه، فهذا هو العذر، هذا هو الأقرب أن السفر لا يقدر بالمساحات، بل يقدر بالزمان، يقول: من قضى صلاة سفر في حضر، فإنه يقضيها تامة -مثلا- إذا مرت عليه صلاة الظهر، وهو في السفر وجاء إلى بلده وقت العصر، أراد أن يصلي الظهر يصليها تامة؛ لأن السفر قد انقضى.
يتساهل بعض الناس إذا أقبلوا على الرياض -مثلا- دخل عليهم وقت الظهر -مثلا- وبينهم وبين البلد ساعة صلوا الظهر والعصر ركعتين ركعتين، ثم جاءوا والعصر لم يدخل وقته، فقالوا: قد صلينا قد اقتفينا الرخصة في الصلاة، نقول: إنكم أصبحتم من أهل الأربع صلاة العصر تلزمكم أربعا، أصبحتم مطالبين بها فلا تسقط عنكم، وكذلك العشاءين إذا أقبل ... بعضهم إلى الرياض -مثلا- بينه وبينها -مثلا- ثلاثين كيلو ... صلى المغرب والعشاء وقصر العشاء، ثم يجيء الناس ليصلوا العشاء قد أذن أو لم يؤذن، نقول لهم: عليكم صلاة العشاء أربعة، هذا هو الراجح، ولا يرخص، فهناك من رخص، لكن الإنسان يحتاط للصلاة.
لو أن إنسانا أذن عليه أذن وقت الظهر، وهو في البلد ثم خرج قبل أن يصلي أراد أن يصليها بعد ما خرج من البلد، يصليها أربعا؛ لأنها لزمته أربعا، وكذا -مثلا- لو دخلت وأخرها، وهو تعِب ولم يخرج -مثلا- للساعة ثنتين، ثم صلاها في الطريق يصليها أربعا، ثم من نوى إقامة مطلقة بموضع أو نوى أكثر من أربعة أيام، أو ائتم بمقيم لزمه الإتمام، هذا هو المشهور عند الفقهاء أنه إذا نوى إقامة من غير تحديد، فإنه يتم وإذا نوى أربعة أيام، فإنه يتم، وإذا ائتم صلى خلف مقيم، فإنه يتم؛ وذلك لأنه يعتبر لا فرق بينه وبين المقيمين إذا -مثلا- جاء إلى بلد كالرياض مكة جدة -مثلا- الدمام بريدة، أو نحوها من هذه المدن، واستقر، إما في فندق، وإما في شقة -مثلا- استأجرها أو نحو ذلك، وتمتع بما يتمتع به المقيمون.
يعني: عنده الكهرباء، وعنده الفرش وعنده السرر وعنده الطعام يصلح له -مثلا- وعنده السيارات التي تنقله إلى ما يريد، وليس بينه وبين المقيمين فرق، فكيف مع ذلك تسقط عنه صلاة الجماعة، وكيف مع ذلك يقصر. هل يقال: إن هذا على سفر، ليس هذا سفرا، مقيم مع المقيمين، نقول: عليه الإتمام أما إذا لم ينو إقامة محددة، ولم يستقر في البلد، فإن له القصر ولو طالت المدة، فيعتذرون عن إقامة النبي - صلى الله عليه وسلم - زمن الفتح سنة الفتح ستة عشر يوما، أنه ما عزم على الإقامة لم يكن عازما على الإقامة، بل يتهيأ للسفر اليوم غدا بعد غد، فكان ذلك مسببا لبقائه على أن يقصر.
وقيل: إن عذره كونه على أهبة السفر، أو كونه كمسافر؛ لأنه ما استقر في البلد ما دخل في البيوت، ولا استقر الصحابة -مثلا- في المساكن، ولا في بيوت المدر، وبيوت الطين، إنما منازلهم تحت ظل الشجر، أو يبني أحدهم، أو يبني جماعة قبة صغيرة أو خيمة صغيرة، أو بيتا من شعر يستظلون به، أو يستظلون في الكهوف، فهم في حكم المسافر بخلاف الذين يستقرون في داخل البلد، سواء استقر -مثلا- وسكن عند أخ له أو قريب له أو استأجر -مثلا- مكانا في المدن المشهورة، ونحوها، يمكن أن يقال: إن القرى ليس فيها فنادق -مثلا- وليس فيها شقق تؤجر، وأن الذي يأتي إليها لا يستقر فيها، إنما ينام في سيارته -مثلا- أو ينزل -مثلا- خارج البلد في تحت شجرة، أو في عريش أو نحو ذلك، فيمكن هذا يقصر، ولو طالت المدة.