قوله صلى الله عليه وسلم لا تبع ما ليس عندك في حق هذا الحكم بالإجماع ثم ما يتعلق بكل من السلم والاستصناع من المباحث محله كتب الفروع
أو ضرورة كطهارة الحياض والآبار
المتنجسة فإن الدليل على طهارتها بما هو مشروع فيها من نزح وغيره وهو الضرورة المحوجة إلى ذلك لعامة الناس وللضرورة أثر في سقوط التكليف بالكتاب والسنة والإجماع في مقابلة القياس الظاهر الدال على عدم طهارتها بعد تنجسها وهو بقاء شيء من النجاسة فيها لأن خروج بعض الماء النجس في الحوض والبئر لا يؤثر في طهارة الباقي ولو أخرج الكل فما ينبع من أسفل أو ينزل من أعلى يلاقي نجسا من طين أو حجر أو غيرهما فينجس بملاقاته
قلت والحق أن تطهير الآبار لا يعد مطلقا من هذا القبيل إذ لا يخفي أن ما وجب فيها نزح البعض فهو من الاستحسان بالأثر بل قولهم كما في الهداية مسائل الآبار مبنية على اتباع الآثار دون القياس يفيد أن تطهيرها مطلقا من الاستحسان بالأثر ثم كان الظاهر أن يقول أو قياس خفي ولعله إنما لم يذكره للعلم به مما تقدم
فمنكره
أي الاستحسان حيث قال من استحسن فقد شرع
لم يدر المراد به
عند القائلين به وعلى هذا فقد كان عليه أن لا يسارع إلى رده واعتذر عنه بأنه لما اختلفت العبارات في تفسيره مع أنه قد يطلق لغة على ما يهواه الإنسان ويميل إليه وإن كان مستقبحا عند غيره وكثر استعماله في مقابلة القياس على الإطلاق كان إنكار العمل به عند الجهل بمعناه مستحسنا حتى يتبين المراد منه إذ لا وجه لقبول العمل بما لا يعرف معناه وفي هذا الاعتذار ما لا يخفى
ثم بعد ما علم أنه اسم لدليل متفق عليه نصا كان أو إجماعا أو ضرورة أو قياسا خفيا إذا وقع في مقابلة قياس يسبق إليه الأفهام حتى لا يطلق على ما لا يقابل منها القياس الجلي فهو حجة عند الجميع من غير تصور خلاف فلا جرم أن قال ابن الحاجب لا يتحقق استحسان مختلف فيه
وقسموا الاستحسان إلى ما قوى أثره
أي تأثيره بالنسبة إلى مقابلة من كل وجه
و
إلى
ما خفي فساده
أي ضعفه لأنه إذا ضعف في مقابلة غيره فسد ثم خفاؤه
بالنسبة إلى ظهور صحته وإن كان
ظهور صحته
خفيا بالنسبة إلى القياس
المقابل له
وظهر صحته
عطف على خفي يعني إذا تؤمل حق التأمل علم أنه فاسد بالنسبة إلى معنى آخر انضم إلى مقابله الذي هو القياس إذا نظر إليه أدنى النظر يرى صحيحا
و
قسموا
القياس إلى ما ضعف أثره و
إلى
ما ظهر فساده وخفي صحته
وذلك بأن ينضم إلى وجهه معنى دقيق يورثه قوة ورجحانا على وجه مقابله الذي هو الاستحسان
فأول الأول
أي القسم الأول من الاستحسان وهو ما قوي أثره
مقدم على أو الثاني
أي القسم الأول من القياس وهو ما ضعف أثره
وثاني الثاني
أي والقسم الثاني من القياس وهو ما ظهر فساده وخفي صحته مقدم
على ثاني الأول
أي القسم الثاني من الاستحسان وهو ما ظهر صحته وخفي فساده لأنه لا عبرة للظاهر بظهوره ولا للباطن ببطونه وإنما العبرة لقوة الأثر في مضمونه لأن العلة إنما صارت علة