للراسخين كما ذكرنا
( فالحنفية نعم )
هو واقع
( لقوله تعالى { وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا }
( عطف جملة )
اسمية المبتدأ منها الراسخون
( خبره يقولون لأنه تعالى ذكر أن من الكتاب متشابها يبتغي تأويله قسم وصفهم بالزيغ فلو اقتصر )
على هذا
( حكم بمقابلهم قسم بلا زيغ لا يبتغون )
تأويله
( على وزان { فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه } اقتضى مقابله )
وهو وأما الذين كفروا فلهم كذا وكذا
( فتركه )
إيجاز الدلالة قسيمه عليه كما هو أسلوب من الأساليب البلاغية
( فكيف وقد صرح به أعني الراسخون وصحت جملة التسليم )
وهي يقولون آمنا به كل من عند ربنا
( خبرا عنه )
أي عن الراسخون
( فيجب اعتباره كذلك )
وممن نص على أن الظاهر هذا أبو حيان وعلى هذا فقوله وما يعلم تأويله إلا الله جملة معترضة بين القسمين
( فإن قيل قسم الزيغ المتبعون )
ما تشابه منه
( ابتغاء الفتنة والتأويل فالقسم المحكوم بمقابلته بنفي الأمرين )
ابتغاء الفتنة والتأويل جميعا لا بنفي أحدهما فلا يلزم منه ذم من ابتعه ابتغاء التأويل فقط
( قلنا قسم الزيغ بابتغاء كل )
من الوصفين على الاستقلال
( لا المجموع إذ الأصل استقلال الأوصاف )
على أن الإجماع على ذم من اتبعه ابتغاء الفتنة فقط بأن يجريه على الظاهر بلا تأويل فكذا من اتبعه ابتغاء التأويل فقط
( ولأن جملة يقولون حينئذ )
أي حين يكون والراسخون عطفا على الله قسيما لقوله فأما الذين في قلوبهم زيغ
( حال )
من الراسخون
( ومعنى متعلقها )
أي هذه الجملة حينئذ
( ينبو عن موجب عطف المفرد لأن مثله في عادة الاستعمال يقال للعجز والتسليم )
وهذا التقدير ينافيه
( وغاية الأمر أن مقتضى الظاهر أن يقال وأما الراسخون )
فيقولون ليوافق قسيمه فحذفت أما منه لدلالة ذكرها ثمة عليها هنا لأنها لا تكاد توجد مفصلة إلا وتثنى أو تثلث ثم حذفت الفاء لأنها من أحكامها وحينئذ يقال
( فإذا ظهر المعنى وجب كونه على مقتضى الحال المخالف لمقتضى الظاهر )
كما هو شأن البلاغة
( مع أن الحال قيد للعامل وليس علمهم )
أي الراسخين بتأويله
( مقيدا بحال قولهم آمنا به كل من عند ربنا )
على تقدير كونهم يعلمون تأويله فهذا أيضا مما ينافي كون يقولون جملة حالية من الراسخين ثم إيضاح ما ذكرنا أن الآية من باب الجمع والتفريق والتقسيم فالجمع قوله تعالى { هو الذي أنزل عليك الكتاب } والتقسيم قوله { منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات } والتفريق قوله { فأما الذين في قلوبهم زيغ } فلابد من جعل قوله { والراسخون } قسيما له كأنه قيل فأما الزائغون فيتبعون المتشابه وأما الراسخون فيتبعون المحكم ويردون المتشابه إلى المحكم إن قدروا وإلا فيقولون كل من المحكم والمتشابه من عند الله ثم جيء بقوله { وما يذكر إلا أولوا الألباب } تذييلا وتعريضا بالزائغين ومدحا للراسخين يعني من لم يذكر ولم يتعظ ويتبع هواه فليس من أولي الألباب ومن ثمة قال الراسخون
{ ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب }