وذكر المحققون في الفرق بين كفارة الفظر وغيرها ان داعية الجناية على الصوم لما كانت قوية باعتبار ان شهوة البطن امر معود للنفس احتيج فيها الى زاجر فوق ما في سائر الجنايات فصار الزجر فيها اصلا والعبادة تبعا فان من دعته نفسه الى الافطار طلبا للراحة فتأمل فيما يجب عليه من المشقة انزجر لا محالة وباقي الكفارات بالعكس الا يرى انه لا معنى للزجر عن القتل الخطأ وان كفارة الظهار شرعت فيما يندب الى تحصيل ما تعلقت الكفارة به تعلق الاحكام بالعلل وهو العود وكفارة اليمين شرعت فيما يجب تحصيل ما تعلقت الكفارة به تعلق الاحكام بالشروط كمن حلف لا يكلم اباه وشرع الزاجر فيما يندب او يجب تحصيله لا يليق بالحكمة والله سبحانه اعلم
( والثاني حقوق العباد كضمان المتلفات وملك المبيع والزوجة وكثير وما اجتمعا )
أي حق االله وحق العبد
( فيه وحقه تعالى غالب )
وهو
( حد القذف )
لانه من حيث انه يقع نفعه عاما باخلاء العالم عن الفساد حق الله تعالى اذ لم يختص بهذا انسان دون انسان ومن حيث ان فيه صيانة العرض ودفع العار عن المقذوف حق العبد اذ هو الذي ينتفع به على الخصوص ثم في هذا حق الله تعالى ايضا لان في النفس حقين حق الاستعباد لله وحق الانتفاع للعبد فكان الغالب حق الله تعالى
( فليس للمقذوف اسقاطه )
أي الحد لان حق الله لا يسقط باسقاط العبد وان كان غير متمحض له كما يشهد به دلالة الاجماع على عدم سقوط العدة باسقاط الزوج اياها لما فيها من حق الله عز وجل
( ولذا )
أي ولكون الغالب في هذا الحق حق الله تعالى
( لم يفوض اليه )
أي الى المقذوف ليقيمه على نفسه
( لان حقوقه تعالى لا يستوفيها الا الامام )
لاستنابة الله تعالى اياه في استيفائها دون غيره
( ولانه )
أي حد القذف
( لتهمته )
أي القاذف المقذوف
( بالزنى واثر الشيء من بابه )
أي باب ذلك الشيء وحد الزنى حق الله تعالى اتفاقا
( فدار )
حد القذف
( بين كونه لله تعالى خالصا )
كحد الزنى
( او )
بين كونه
( له )
أي الله تعالى
( وللعبد )
كما ذكرنا فاقل ما في الباب ان يقال
( فتغلب )
حق الله
( به )
أي بحد القذف لان ما للعبد من الحق يتولى استيفاءه مولاه فيصير حق العبد مرعيا بتغليب حق مولاه لا مهدرا ولا كذلك عكسه هذا على ما عليه عامة المشايخ وذهب صدر الاسلام الى ان الغالب فيه حق العبد وبه قال الائمة الثلاثة والاول اظهر كما في الهداية ثم من الاحكام ما بين متفق عليه ومختلف فيه ما يتفرع عليه باعتبار كونه حقا للعبد ومنها ما يتفرع عليه باعتبار كونه حقا لله ومحل الخوض فيها الكتب الفقهية
( وما اجتمعا )
أي حق الله وحق العبد فيه
( والغالب حق العبد )
وهو
( القصاص بالاتفاق )
فان لله تعالى في نفس العبد حق الاستعباد وللعبد حق الاستمتاع ففي شرعية القصاص ايفاء للحقين واخلاء للعالم عن الفساد الا ان وجوبه بطريقة المماثلة المنبئة عن معنى الجبر وفيه معنى المقابلة بالمحل فكان حق العبد راجحا ولهذا فرض استيفاؤه للوارث وجرى فيه الاعتياض بالمال والعفو