للمحدود على تصوره لما قدمناه فإذا تعقل من حيث هو حد فقد حصل المحدود قبل إقامة البرهان على ثبوته له فلا حاجة إلى إقامة البرهان عليه
( فكالأول )
أي فالجواب عن هذا التوجيه لنفي اكتساب الحد للمحدود بالبرهان كالجواب عن التوجيه لنفيه باستغناء ثبوت الحد له عن البرهان وهو أن هذا إنما يتم إذا كانت أجزاء الحد معلومة الانتساب بالجزئية إلى المحدود بحيث يعلم قطعا من العلم بالمحدود من غير نظر ولا كسب لكن المفروض جهالة انتسابها إليه وإلا لكان المحدود بديهي التصور لا يحتاج إلى كسب ونظر والواقع خلافه وقد ظهر أن التعليل الأول وجوابه مغنيان عن هذا الإيراد والإشارة إلى جوابه ثم ذكر ما هو التعليل المتجه عنده لهذه الدعوى مضربا عن هذه التعاليل كلها فقال
( بل لعدمه )
أي بل العجز لازم للحاد في منع الحد الحقيقي لعدم وجود برهان عليه لأنه من قبيل التصورات المحضة وهي لا تستفاد من البرهان فالاقتصار في تعليله على ذكر عدم وجود البرهان له أولى لحصول المقصود مع قصر المسافة والسلامة من هذه المناقشات
( فإن قيل المتعجب يفيده )
أي إثبات الحد للمحدود بالبرهان لأنه يصلح أن يكون دليلا على إثبات الحيوانية الناطقة حدا للإنسان
( كناطق )
أي مثل أن يقال الإنسان حيوان ناطق
( لأنه )
أي الإنسان
متعجب وكل متعجب )
حيوان ناطق فالإنسان حيوان ناطق
( قلنا )
هذا الدليل
( يفيد مجرد ثبوته )
أي الحد الذي هو حيوان ناطق للمحدود الذي هو الإنسان للمساواة الكائنة بين الإنسان والمتعجب
( والمطلوب )
للقائل بأن الحد يكتسب بالبرهان
( أخص منه )
أي من مجرد ثبوت الحد للمحدود بالبرهان وهو
( كونه على وجه الجزئية )
أي كون كل من أجزاء الحد ثابتا للمحدود على أنه جزء معلوم منه بالبرهان وهذا الدليل لا يثبته كذلك
( فالحق حكم الإشراقيين )
وهم قوم من الفلاسفة يؤثرون طريقة أفلاطون وما له من الكشف والعيان على طريقة أرسطو وما له من البحث والبرهان
( لا يكسب الحقيقة إلا الكشف )
ولعل المراد به علم ضروري يدرك به حقائق الأشياء كإدراك الحقائق المحسوسة بالحس السليم غير مقدور للمخلوق تحصيله
( وهو معنى الضرورة )
أي ما ثبت بها وهو الضروري ومن ثمة فسر بما لا يكون مقدورا للمخلوق تحصيله وإلا فالضرورة هنا مفسرة بعدم القدرة على الفعل والترك وهولا يصدق ظاهرا على الكشف لا أن الاطلاع على الحقائق العينية مما يتوصل إليه بالحدود كما ذهب إليه المشاؤون من الفلاسفة المؤثرون طريقة أرسطو لأنهم سلموا أن الشيء يذكر في تعريفه الذاتي الخاص والعام وسلموا أن المجهول لا يتوصل إليه إلا من المعلوم والذاتي الخاص ليس بمعهود لمن يعرف به في مكان آخر وإلا لم يكن خاصا وقد فرض خاصا هذا خلف ثم حيث يكون الحق في باب إحاطة العلم بالمتصورات بالحقائق العينية ما سلكه الإشراقيون فمن هو بصدد المعارضة لغيره في هذا الباب إما موافق له على أنه يدرك حقيقة ما يعبر عنه بالعبارة الموافقة لما في نفس الأمر على الوجه الذي أدركه وحينئذ فباب المنع مسدود للتسجيل على