على أن الفكر فعل إرادي صادر عن النفس لاستحصال المجهولات بالمعلومات ثم كما أن الإدراك بالبصر يتوقف على أمور ثلاثة مواجهة المبصر وتقليب الحدقة نحوه طلبا لرؤيته وإزالة الغشاوة المانعة من الإبصار كذلك الإدراك بالبصيرة يتوقف على أمور ثلاثة التوجه نحو المطلوب وتحديق العقل نحوه طلبا لإدراكه وتجريد العقل عن الغفلات التي هي بمنزلة الغشاوة ثم حيث كان الظاهر أن النظر اكتساب المجهولات من المعلومات كما هو مذهب أصحاب التعاليم ولا شبهة في أن كل مجهول لا يمكن اكتسابه من أي معلوم اتفق بلا لابد له من معلومات مناسبة له ولا في أنه لا يمكن تحصيله من تلك المعلومات على أي وجه كانت بل لابد هناك من ترتيب معين فيما بينها ومن هيئة مخصوصة عارضه لها بسبب ذلك الترتيب فنقول إذا أردنا تحصيل مجهول تصديقي مشعور به من وجه على وجه أكمل انتقلت النفس منه وتحركت في المعقولات حركة من باب الكيف كما أشار إليه المصنف في الكيفية النفسانية التي هي الصور المعقولة على قياس الحركة في الكيفيات المحسوسة طالبة المبادئ لهذا المطلوب أعني تكيفت النفس بواحد من المعاني المخزونة عندها بعد واحد بواسطة استعراضها وملاحظتها لتلك المعاني أي اتصفت بالحالات العارضة لها عند ملاحظتها للمعاني المخزونة عندها فإنها إذا لاحظت معنا يحصل لها حالة لم تكن لها مغايرة لما يعرض لها عند ملاحظة معنى آخر ولا تزال كذلك طالبة لمبادئ هذا المطلوب إلى أن تظفر بمباديه أعني الأمر المناسب له المفضي إلى العلم أو الظن به وهذا الأمر المناسب هو الحد الوسط بين طرفي المطلوب فتتحرك فيه مرتبة له مع طرفي المطلوب على وجه مستلزم له استلزاما قطعيا أو ظنيا كما سيأتي بيانه مفصلا وتنتقل منه إلى المطلوب
مثلا إذا كان مطلوب النفس كون العالم حادثا انتقلت منه وترددت في المعاني الحاضرة عندها فوجدت المتغير مناسبا لكونه محمولا على العالم وموضوعا للحادث فرتبته فحصل العالم متغير وكل متغير حادث ثم رجعت إلى أن العالم حادث فظهر أن هنا حركتين مختلفتين وأن ما منه الحركة الأولى هو المطلوب المشعور به من وجه وما هي فيه هي الصور العقلية المخزونة عند العقل وما هي إليه هو الحد الأوسط وما منه الحركة الثانية هو الأوسط أيضا وما هي فيه هي الحدود وما هي إليه هو التصديق بالمطلوب وأن الحركة الأولى تحصل ما هو بمنزلة المادة أعني مبادئ المطلوب التي يوجد معها الفكر بالقوة والثانية تحصل ما هو بمنزلة الصورة أعني الترتيب الذي يوجد معه الفكر بالفعل وحينئذ يتم الفكر بجزأيه معا وإلا فالفكر عرض لا مادة له ثم هذا على ما عليه المحققون من أن الفعل المتوسط بين المعلومات والمجهولات في الاستحصال هو مجموع الانتقالين إذ به يتوصل من المعلوم إلى المجهول توصلا اختياريا وأما الترتيب المذكور فهو لازم له بواسطة الجزء الثاني وأما المتأخرون فعلى أن الفكر هو ذلك الترتيب الحاصل من الانتقال الثاني لأن