وفي اليوم الخامس من نفس الشهر المحرم سنة 4 هـ نقلت الاستخبارات أن خالد بن سفيان الهذلي يحشد الجموع لحرب المسلمين، فأرسل إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - عبدالله ابن أنيس ليقضي عليه، وظل عبدالله بن أنيس غائبًا عن المدينة ثماني عشرة ليلة، ثم قدم يوم السبت لسبع بقين من المحرم، وقد قتل خالدًا وجاء برأسه، فوضعه بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - فأعطاه عصا وقال:"هذه آية بيني وبينك يوم القيامة"، فلما حضرته الوفاة أوصي أن تجعل معه في أكفانه.
وفي شهر صفر من نفس السنة أي الرابعة من الهجرة قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قوم من عَضَل وقَارَة، وذكروا أن فيهم إسلامًا، وسألوا أن يبعث معهم من يعلمهم الدين، ويقرئهم القرآن، فبعث معهم ستة نفر في قول ابن إسحاق، وفي رواية البخاري أنهم كانوا عشرة وأمر عليهم مَرْثَد بن أبي مَرْثَد الغَنَوِي في قول ابن إسحاق، وعند البخاري أنه عاصم بن ثابت جد عاصم بن عمر بن الخطاب فذهبوا معهم، فلما كانوا بالرجيع وهو ماء لهُذَيلِ بناحية الحجاز بين رَابِغ وجُدَّة استصرخوا عليهم حيًا من هذيل يقال لهم: بنو لَحْيَان، فتبعوهم بقريب من مائة رام، واقتصوا آثارهم حتى لحقوهم، فأحاطوا بهم وكانوا قد لجأوا إلى فَدْفَد وقالوا: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا ألا نقتل منكم رجلًا. فأما عاصم فأبي من النزول وقاتلهم في أصحابه، فقتل منهم سبعة بالنبل، وبقي خُبَيب وزيد بن الدَّثِنَّةِ ورجل آخر، فأعطوهم العهد والميثاق مرة أخري، فنزلوا إليهم ولكنهم غدروا بهم وربطوهم بأوتار قِسِيهم، فقال الرجل الثالث: هذا أول الغدر، وأبي أن يصحبهم، فجرروه وعالجوه على أن يصحبهم فلم يفعل فقتلوه، وانطلقوا بخبيب وزيد فباعوهما بمكة، وكانا قتلا من رءوسهم يوم بدر، فأما خبيب فمكث عندهم مسجونًا، ثم أجمعوا على قتله، فخرجوا به من الحرم إلى التنعيم، فلما أجمعوا على صلبه قال: دعوني حتى أركع ركعتين، فتركوه فصلاهما، فلما سلم قال: والله لولا أن تقولوا: إن ما بي جزع لزدت، ثم قال: اللّهم أحْصِهِمْ عَدَدًا، واقتلهم بَدَدًا، ولا تُبْقِ منهم أحدا، ثم