إن لقوله لحلاوة (وإن عليه لطلاوة) وإن أصله لعَذَق وإن فَرْعَه لجَنَاة، وما أنتم بقائلين من هذا شيئًا إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا: ساحر. جاء بقول هو سحر، يفرق به بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته وبين المرء وعشيرته فتفرقوا عنه بذلك وتفيد بعض الروايات أن الوليد لما رد عليهم كل ما عرضوا له، قالوا: أرنا رأيك الذي لا غضاضة فيه، فقال لهم: أمهلوني حتى أفكر في ذلك، فظل الوليد يفكر ويفكر حتى أبدى لهم رأيه الذي ذكر آنفًا وفي الوليد أنزل الله تعالى ست عشرة آية من سورة المدثر {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا وَبَنِينَ شُهُودًا وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِسَأُصْلِيهِ سَقَرَ} ، وفي خلالها صور كيفية تفكيره فقال: {إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ} . المدثر وبعد أن اتفق المجلس على هذا القرار أخذوا في تنفيذه، فجلسوا بسبل الناس حين قدموا للموسم، لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه وذكروا لهم أمره أما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخرج يتبع الناس في منازلهم وفي عُكَاظ ومَجَنَّة وذي المَجَاز، يدعوهم إلى الله وأبو لهب وراءه يقول لا تطيعوه فإنه صابئ كذاب وأدى ذلك إلى أن صدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وانتشر ذكره في بلاد العرب كلها.
ولما فرغت قريش من الحج فكرت في أساليب تقضى بها على هذه الدعوة في مهدها، وتتلخص هذه الأساليب فيما يلي: 1 ـ السخرية والتحقير، والاستهزاء والتكذيب والتضحيك:
قصدوا بها تخذيل المسلمين وتوهين قواهم المعنوية فرموا النبي - صلى الله عليه وسلم - بتهم هازلة وشتائم سفيهة، فكانوا ينادونه بالمجنون {وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} الحجر