والأموال لا تحية تثرثر بها الألسنة ولا يقوم لها أثر. كانت عواطف الإيثار والمواساة والمؤانسة تمتزج في هذه الأخوة وتملأ المجتمع الجديد بأروع الأمثال. فقه السيرة (ص 141،140) .
فقد روى البخاري أنهم لما قدموا المدينة آخى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين عبد الرحمن وسعد ابن الربيع فقال لعبد الرحمن: إني أكثر الأنصار مالًا، فاقسم مالي نصفين، ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك فسمها لي، أطلقها فإذا انقضت عدتها فتتزوجها قال: بارك الله لك في أهلك ومالك وأين سوقكم؟ فدلوه على سوق بني قينقاع فما انقلب إلا ومعه فضل من إقط وسمن ثم تابع الغدو ثم جاء يومًا وبه أثر صفرة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: مهيم؟ قال تزوجت قال:"كم سقت إليها؟"قال: نواة من ذهب. صحيح البخاري باب إخاء النبي - صلى الله عليه وسلم - بين المهاجرين والأنصار (1/ 553) .وروي عن أبي هريرة قال: قالت الأنصار للنبي - صلى الله عليه وسلم: إقسم بيننا وبين إخواننا النخيل قال: لا. فقالوا: فتكفونا المؤنة، ونشرككم في الثمرة. قالوا سمعنا وأطعنا. صحيح البخاري باب إذا قال: إكفني مؤنة النخل الخ (1/ 312) ، وهذا يدلنا على ما كان عليه الأنصار من الحفاوة البالغة بإخوانهم المهاجرين ومن التضحية والإيثار والود والصفاء وما كان عليه المهاجرون من تقدير هذا الكرم حق قدره، فلم يستغلوه ولم ينالوا منه إلا بقدر ما يقيم أودهم، وحقًا فقد كانت هذه المؤاخاة حكمة فذة، وسياسة صائبة حكيمة، وحلًا رائعًا لكثير من المشاكل التي كان يواجهها المسلمون، والتي أشرنا إليها.
أخذت مكة كلها تتسمع أخبار المهاجر العظيم وصاحبه ومطاردة قريش المحمومة لهما تريد الظفر بهما.
تحلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصفة الكتمان في عامة غزواته، فعن كعب بن مالك - رضي الله عنه - قال: (ولم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد غزوة إلا ورّى بغيرها) . صحيح البخاري"كتاب الجهاد والسير"باب من أراد غزوة فورَّى بغيرها (2/ 2947) .