قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلاَءُ _ أي النبي - صلى الله عليه وسلم - وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ. [1] والتحنث هو التعبد.
قال ابن قيم الجوزية: ثم حبب الله إليه الخلوة والتعبد لربه وكان يخلو بغار حراء يتعبد فيه الليالي ذوات العدد، وبغضت إليه الأوثان ودين قومه، فلم يكن شئ أبغض إليه من ذلك. اهـ. زاد المعاد (1/ 70) .
فكان يأخذ السَّوِيق والماء، ويذهب إلى غار حراء في جبل النور على مبعدة نحو ميلين من مكة وهو غار لطيف طوله أربعة أذرع، وعرضه ذراع وثلاثة أرباع ذراع من ذراع الحديد فيقيم فيه شهر رمضان، ويقضي وقته في العبادة والتفكير فيما حوله من مشاهد الكون وفيما وراءها من قدرة مبدعة، وهو غير مطمئن لما عليه قومه من عقائد الشرك المهلهلة وتصوراتها الواهية، ولكن ليس بين يديه طريق واضح، ولا منهج محدد، ولا طريق قاصد يطمئن إليه ويرضاه. وكان اختياره - صلى الله عليه وسلم - لهذه العزلة طرفًا من تدبير الله له، وليكون انقطاعه عن شواغل الأرض وضَجَّة الحياة وهموم الناس الصغيرة التي تشغل الحياة نقطة تحول لاستعداده لما ينتظره من الأمر العظيم فيستعد لحمل الأمانة الكبرى وتغيير وجه الأرض وتعديل خط التاريخ. . . دبر الله له هذه العزلة قبل تكليفه بالرسالة بثلاث سنوات، ينطلق في هذه العزلة شهرًا من الزمان مع روح الوجود الطليقة ويتدبر ما وراء الوجود من غيب مكنون حتى يحين موعد التعامل مع هذا الغيب عندما يأذن الله.
بعد ما تمَّ لرسول الله أربعون سنة من عمره كانت هناك ثمة علامات تنبئ بأنه نبي، فمن ذلك أن حجرًا بمكة كان يسلم عليه، ومنها أنه كان يرى الرؤيا الصادقة؛ فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، حتى مضت على ذلك ستة أشهر.
(1) الحديث رواه البخاري برقم (3) ، ومسلم برقم (231) . وسيأتي بطوله.