وأخرج الشيخان من حديث عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه: قسم النبي - صلى الله عليه وسلم - قسمًا فقال رجل: إن هذه لقسمة ما أُريد بها وجه الله، فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته، فغضب حتى رأيت الغضب في وجهه، ثم قال:"يرحم الله موسى، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر". [1]
فقد غضب النبي - صلى الله عليه وسلم - لما اعترض عليه ذلك المعترض في قسمة غنائم حنين، ولكنه - صلى الله عليه وسلم - كظم غيظه ولم يعاقب ذلك المعترض ولا بمجرد الكلام، ونقل السامعين على الفور إلى بيان أن كظم الغيظ والصبر على الأذى من صفات المصطفين من البشر وهم الأنبياء عليهم السلام، فضرب المثل بنبي من أولي العزم وهو موسى عليه السلام الذي عانى من بني إسرائيل الشيء الكثير فصبر واحتسب، وفي هذا توجيه لأفراد الأمة إلى محاولة الوصول إلى الكمال في معاملة الناس.
قال الله تعالى: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} . سورة التوبة آية (128) .
وعن انس قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد، فصاح به أصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - مه مه (أي أترك) فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم: لا تزرموه دعوه (لا تقطعوا بوله) ، فترك الصحابة الأعرابي يقضي بوله، وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - للأعرابي: إن المساجد لا تصلح لشئ من هذا البول والقذر، إنما هي لذكر الله، والصلاة، وقراءة القرآن، وقال الرسول لأصحابه: إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين، صبوا عليه دلوًا من الماء، فقال الأعرابي: اللهم أرحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا، فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم: لقد حجّرت واسعًا أي ضيقت واسعًا. [2]
(1) صحيح البخاري، رقم (3405) ، (6/ 436) ، صحيح مسلم رقم (1062) ، (ص 739)
(2) أخرجه البخاري برقم (5679) ، باب الرفق في الأمر كله، ومسلم برقم (844) ، باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات.