كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يوافي الموسم كل عام يتبع الحاج في منازلهم وفي عكاظ وغيرهم يدعوهم إلى الله فلم يجبه أحد منهم ولم يؤوه. فلقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الموسم عند العقبة: ستة نفر من الأنصار كلهم من الخزرج منهم أسعد بن زرارة وجابر بن عبدالله بن رئاب السلمي فدعاهم إلى الإسلام فأسلموا ثم رجعوا إلى المدينة فدعوا إلى الإسلام فنشأ الإسلام فيها حتى لم تبق دار إلا دخلها فلما كان العام المقبل: جاء منهم اثنا عشر رجلا - الستة الأول خلا جابرا - ومعهم عبادة بن الصامت وأبو الهيثم بن التيهان وغيرهم الجميع اثنا عشر رجلا.
وكان الستة الأولون قد قالوا له لما أسلموا إن بين قومنا من العداوة والشر ما بينهم وعسى الله أن يجمعهم بك وسندعوهم إلى أمرك فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك وكان الأوس والخزرج أخوين لأم وأب وأصلهم من اليمن من سبأ وأمهم قيلة بنت كاهل امرأة من قضاعة فوقعت بينهم العداوة بسبب قتيل فلبثت الحرب بينهم مائة وعشرين سنة إلى أن أطفاها الله بالإسلام وألف بينهم برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذلك قوله: {واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا} الآية.
فلما جاءه الاثنا عشر رجلا من العام الأتي - الذي ذكرنا - ومنهم اثنان من الأوس: أبو الهيثم وعويم بن ساعدة والباقي من الخزرج. فلما انصرفوا بعث معهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مصعب بن عمير وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام فنزل على أبي أمامة أسعد بن زرارة فخرج بمصعب في إحدى خريجاته - فدخل به حائطا من حيطان بني ظفر فجلسا فيه واجتمع إليهما رجال ممن أسلم.
فلما وصلوا واعدوه العقبة من أواسط أيام التشريق للبيعة بعد ما انقضى حجهم فقال له العباس: ما أدري ما هؤلاء القوم الذين جاؤوك؟ إني ذو معرفة بأهل يثرب فلما كان بالليل تسللوا من رحالهم مختفين ومعهم عبد الله بن عمرو بن حرام - أبو جابر - وهو مشرك وكانوا يكاتمونه الأمر فلما كانت الليلة التي واعدوا فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالوا له: يا