يبدوا أي مقاومة ضد المسلمين، بل بعثوا من تلقاء أنفسهم يعرضون الصلح، فقبل ذلك منهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأقاموا بأموالهم، وكتب لهم بذلك كتابا وهذا نصه: هذا كتاب محمد رسول الله لبني عاديا، أن لهم الذمة، وعليهم الجزية، ولا عداء ولا جلاء، الليل مد، والنهار شد.
ثم أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العودة إلى المدينة، وفي الطريق أشرف الناس على واد فرفعوا أصواتهم بالتكبير:"الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله"فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"أربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصَمَّ ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا قريبا". وفي مرجعه ذلك سار النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة، ثم نام في آخر الليل ببعض الطريق، وقال لبلال:"اكلأ لنا الليل"، فغلبت بلالًا عيناه، وهو مستند إلى راحلته، فلم يستيقظ أحد، حتى ضربتهم الشمس، وأول من استيقظ بعد ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم خرج من ذلك الوادي، وتقدم، ثم صلي الفجر بالناس، وقيل: إن هذه القصة في غير هذا السفر.
قال الحاكم: تواترت الأخبار أنه - صلى الله عليه وسلم - لما هَلَّ ذو القعدة أمر أصحابه أن يعتمروا قضاء عمرتهم، وألا يتخلف منهم أحد شهد الحديبية، فخرجوا إلا من استشهد، وخرج معه آخرون معتمرين، فكانت عدتهم ألفين سوي النساء والصبيان.
واستخلف على المدينة عُوَيف بن الأضْبَط الدِّيلي، أو أبا رُهْم الغفاري، وساق ستين بدنة، وجعل عليها ناجية بن جُنْدُب الأسلمي، وأحرم للعمرة من ذي الحُلَيْفَة، ولبي، ولبي المسلمون معه، وخرج مستعدًا بالسلاح والمقاتلة، خشية أن يقع من قريش غدر، فلما بلغ يَأجُج وضع الأداة كلها: الحَجَف والمِجَانّ والنَّبْل والرِّماح، وخلف عليها أوس بن خَوْلِي الأنصاري في مائتي رجل، ودخل بسلاح الراكب: السيوف في القُرُب، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند الدخول راكبًا على ناقته القَصْواء، والمسلمون متوشحون السيوف،