العوراء أم جميل نزول الصاعقة! .. أفقدتها صوابها .. جعلتها تحمل حجرًا وتدور في الأسواق تبحث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لتضربه به حتى إذا جاءت على المسجد .. وكان جالسًا إلى جنب أبي بكر .. لم تره!! فقالت له: يا أبا بكر هجانا صاحبك فقال أبو بكر: لا ورب هذه البنية (يشير إلى الكعبة) ما ينطق بالشعر ولا يتفوه به فقالت: إنك لمصدّق.
ولما سمعت ما نزل فيها وفي زوجها من القرآن أتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو جالس في المسجد عند الكعبة، ومعه أبو بكر الصديق وفي يدها فِهْرٌ [أي بمقدار ملء الكف] من حجارة، فلما وقفت عليهما أخذ الله ببصرها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلا ترى إلا أبا بكر، فقالت: يا أبا بكر، أين صاحبك؟ قد بلغني أنه يهجوني، والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه، أما والله إني لشاعرة، ثم قالت:
مُذَمَّما عصينا * وأمره أبينا * ودينه قَلَيْنا ثم انصرفت، فقال أبو بكر: يا رسول الله، أما تراها رأتك؟ فقال: (ما رأتني، لقد أخذ الله ببصرها عني) .
وخلال هذه الأيام أهم قريشًا أمر آخر وذلك أن الجهر بالدعوة لم يمض عليه إلا أيام أو أشهر معدودة حتى قرب موسم الحج وعرفت قريش أن وفود العرب ستقدم عليهم فرأت أنه لابد من كلمة يقولونها للعرب، في شأن محمد - صلى الله عليه وسلم - حتى لا يكون لدعوته أثر في نفوس العرب، فاجتمعوا إلى الوليد بن المغيرة يتداولون في تلك الكلمة، فقال لهم الوليد أجمعوا فيه رأيًا واحدًا ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضًا ويرد قولكم بعضه بعضًا، قالوا فأنت فقل وأقم لنا رأيًا نقول به، قال بل أنتم فقولوا أسمع. قالوا نقول كاهن، قال لا والله ما هو بكاهن لقد رأينا الكهان فما هو بزَمْزَمَة الكاهن ولا سجعه قالوا فنقول مجنون، قال ما هو بمجنون لقد رأينا الجنون وعرفناه ما هو بخَنْقِه ولا تَخَالُجِه ولا وسوسته. قالوا فنقول شاعر قال ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله رَجَزَه وهَزَجَه وقَرِيضَه ومَقْبُوضه ومَبْسُوطه، فما هو بالشعر قالوا فنقول ساحر قال ما هو بساحر لقد رأينا السحار وسحرهم فما هو بنَفْثِهِم ولا عقْدِهِم قالوا فما نقول؟ قال والله