ألهذا جمعتنا!! لو صدر هذا الكلام من آحاد الناس من أي رجل من قريش عدا هذا القريب البعيد الشقي البليد لكان له باب وجواب كما يقال!! أما أن يصدر من أقرب الناس من أخي أبيه فهنا البلاء الأكبر والطامة التي ما بعدها طامة!! لذلك انفضَّ الناس دون أن يسألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - أو يستفسروا عما يريد أن يقوله لهم. وكان وقع كلام الشقي على نفس النبي - صلى الله عليه وسلم - كالصاعقة!!
لذلك جاء الرد قويًا ومناسبًا أشد المناسبة وصفعة قاضية .. لا يرفع بعدها رأسًا .. ألقته في نار جهنم إلى أبد الآبدين .. مع زوجته العوراء التي كانت تدفعه وتحمله على بغض النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعاداته بلا هوادة!!
{تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} دعاء عليه بالخسران وإخبار {مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ} عنه بأنه خسر وانتهى. {سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ} فلا أمل في هدايته أبدًا!! {وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ، هذه المرأة الدنية العصية الشقية فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ} التي تدفعه إلى الشر ستحمل الحطب بيديها وتلقيه عليه ليزداد عذابًا فوق العذاب في نار جهنم. والجزاء من جنس العمل!! وياله من جزاء.
كانت هذه الصيحة العالية هي غاية البلاغ، فقد أوضح الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأقرب الناس إليه أن التصديق بهذه الرسالة هو حياة الصلات بينه وبينهم، وأن عصبة القرابة التي يقوم عليها العرب ذابت في حرارة هذا الإنذار الآتى من عند الله. ولم يزل هذا الصوت يرتج دويه في أرجاء مكة حتى نزل قوله تعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} الحجر، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالدعوة إلى الإسلام في مجامع المشركين ونواديهم، يتلو عليهم كتاب الله، ويقول لهم ما قالته الرسل لأقوامهم: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا الله َ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} الأعراف، وبدء يعبد الله تعالى أمام أعينهم، فكان يصلى بفناء الكعبة نهارًا جهارًا وعلى رءوس الأشهاد. وقد نالت دعوته مزيدًا من القبول ودخل الناس في دين الله واحدًا بعد واحد وحصل بينهم وبين من لم يسلم من أهل بيتهم تباغض وتباعد وعناد واشمأزت قريش من كل ذلك، وساءهم ما كانوا يبصرون. وفيها: نزلت سورة المسد على رأس