فهرس الكتاب

الصفحة 233 من 427

وأخرجا من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: مرَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - بتمرة في الطريق، قال:"لو لا إني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها". صحيح البخاري برقم (2431) ، (5/ 86) ، صحيح مسلم برقم (171) .

فهذان مثلان دقيقان في الورع والعفة، وذلك بإتقاء الشبهات التي تحتمل الحلال والحرام، وقد يقول قائل إن التورع عن أكل تمرة نوع من التشدد وهذا غير صحيح لأن الحرام يتعلق به الإثم وإن كان قليلًا جدًا فاتقاء الشبهات من باب الاحتياط للدين، وقد وردت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحاديث في النهي عن الغلو والتشدد كما جاء في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: صنع النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئًا ترخص فيه وتنزه عنه قوم، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:"ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه؟ فو الله إني أعلمهم بالله وأشدهم له خشية". [1]

ومن ذلك ما أخرجه مسلم من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد فقال أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مه مه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لا ترزموه (لا تقطعوا عليه بوله) دعوه، فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعاه فقال له إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر إنما هي لذكر الله عز وجل والصلاة وقراءة القرآن أو كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: فأمر رجلًا من القوم فجاء بدلو من ماء فشنه عليه". صحيح مسلم رقم (285) ، الطهارة (ص 236) . وأخرجه الإمام البخاري مختصرًا من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، وفيه:"فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين". صحيح البخاري، رقم (220) ، الوضوء (1/ 323) .

فهذا مثل من منهج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التربوي الرحيم، فعلى الرغم من شناعة المخالفة التي ارتكبها ذلك الأعرابي فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - ينهى أصحابه عن معاملته بالقسوة ويأخذه باللين

(1) صحيح البخاري رقم (7301) ، (13/ 276) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت