عهد بالإسلام: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر الأحمر وصرخ جَبَلَةُ أو كَلَدَةُ بن الحَنْبَل: ألا بطل السِّحْر اليوم.
وانحاز رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - جهة اليمين وهو يقول:"هَلُمُّوا إلى أيها الناس، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد اللّه"ولم يبق معه في موقفه إلا عدد قليل من المهاجرين والأنصار، تسعة على قول ابن إسحاق، واثنا عشر على قول النووي، والصحيح ما رواه أحمد والحاكم في المستدرك من حديث ابن مسعود، قال: كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين، فولى عنه الناس وثبت معه ثمانون رجلًا من المهاجرين والأنصار، فكنا على أقدامنا ولم نُوَلِّهم الدُّبُر، وروي الترمذي من حديث ابن عمر بإسناد حسن قال: لقد رأيتنا يوم حنين وإن الناس لمولين، وما مع رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - مائة رجل.
وحينئذ ظهرت شجاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - التي لا نظير لها، فقد طفق يركض بغلته قبل الكفار وهو يقول: (أنا النبي لا كَذِبْ ** أنا ابن عبد المطلب) بيد أن أبا سفيان بن الحارث كان آخذا بلجام بغلته، والعباس بركابه، يكفانها ألا تسرع، ثم نزل رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فاستنصر ربه قائلًا: (اللّهم أنزل نصرك) .
وأمر رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - عمه العباس وكان جَهِيَر الصوت أن ينادي الصحابة، قال العباس: فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب السَّمُرَة؟ قال: فوالله لكأن عَطْفَتَهُم حين سمعوا صوتي عَطْفَة البقر على أولادها فقالوا: يا لبيك، يا لبيك. ويذهب الرجل ليثني بعيره فلا يقدر عليه فيأخذ درعه، فيقذفها في عنقه ويأخذ سيفه وترسه ويقتحم عن بعيره ويخلي سبيله فيؤم الصوت حتى إذا اجتمع إليه منهم مائة استقبلوا الناس واقتتلوا، وصرفت الدعوة إلى الأنصار: يا معشر الأنصار، يا معشر الأنصار، ثم قصرت الدعوة في بني الحارث بن الخزرج، وتلاحقت كتائب المسلمين واحدة تلو الأخري كما كانوا تركوا الموقعة، وتجالد الفريقان مجالدة شديدة، ونظر رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - إلى ساحة القتال، وقد استحر واحتدم، فقال:"الآن حَمِي الوَطِيسُ"، ثم أخذ رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - قبضة من تراب الأرض،