يحدثهم عن ملوك فارس ورستم واسفنديار ثم يقول: بماذا محمد أحسن حديثًا مني. وفي رواية عن ابن عباس أن النضر كان قد اشترى قَيْنَةً، فكان لا يسمع بأحد يريد الإسلام إلا انطلق به إلى قينته، فيقول: أطعميه واسقيه وغنيه، هذا خير مما يدعوك إليه محمد، وفيه نزل قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ الله ِ} . لقمان 6.
مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب، فقالوا: يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا وسَفَّه أحلامنا وضلل آباءنا فإما أن تكفه عنا، وإما أن تخلى بيننا وبينه فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه فنكفيكه، فقال لهم أبو طالب قولًا رقيقًا وردهم ردًا جميلًا فانصرفوا عنه، ومضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ما هو عليه يظهر دين الله ويدعو إليه. ولكن لم تصبر قريش طويلًا حين رأته - صلى الله عليه وسلم - ماضيًا في عمله ودعوته إلى الله بل أكثرت ذكره وتذامرت فيه حتى قررت مراجعة أبي طالب بأسلوب أغلظ وأقسى من السابق.
وجاءت سادات قريش إلى أبي طالب فقالوا له يا أبا طالب إن لك سنًا وشرفًا ومنزلة فينا وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك، حتى يهلك أحد الفريقين.
عَظُم على أبي طالب هذا الوعيد والتهديد الشديد، فبعث إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال له: يا بن أخي، إن قومك قد جاءوني فقالوا لي كذا وكذا، فأبق عليَّ وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق، فظن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن عمه خاذله، وأنه ضعُف عن نصرته، فقال:"يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته"، ثم استعبر وبكى، وقام، فلما ولى ناداه أبو طالب، فلما أقبل قال له: اذهب يا بن أخي، فقل ما أحببت، فو الله لا أُسْلِمُك لشئ أبدًا وأنشد: والله لن يصلوا إليك بجَمْعِهِم ** حتى أُوَسَّدَ في التراب دفينًا
فاصدع بأمرك ما عليك غَضَاضَة ** وابْشِرْ وقَرَّ بذاك منك عيونًا
قريش بين يدي أبي طالب مرة أخرى: