وبينهم إلا خطوات معدودة.
ووصلت الأخبار من يثرب بوصول النبي - صلى الله عليه وسلم - بسلامة الله إلى هناك وقد استقبله أهلها استقبالًا عظيمًا، بترحاب ينم عن حب كبير وشوق للقاء هذا النبي الكريم والرسول العظيم - صلى الله عليه وسلم -، قال عروة بن الزبير سمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مكة فكانوا يغدون كل غداة إلى الحَرَّة فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يومًا بعد ما أطالوا انتظارهم فلما أووا إلى بيوتهم أَوْفي رجل من يهود على أُطُم من آطامهم لأمر ينظر إليه، فبصر برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه مُبَيَّضِين يزول بهم السراب فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته يا معاشر العرب، هذا جدكم الذي تنتظرون، فثار المسلمون إلى السلاح. صحيح البخاري (1/ 555) .
قال ابن القيم: وسُمِعت الوَجْبَةُ والتكبير في بني عمرو بن عوف، وكبر المسلمون فرحًا بقدومه، وخرجوا للقائه، فتلقوه وحيوه بتحية النبوة، فأحدقوا به مطيفين حوله، والسكينة تغشاه، والوحي ينزل عليه: {فَإِنَّ الله َهُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} التحريم. زاد المعاد (2/ 54)
قال عروة بن الزبير فتلقوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، فقام أبو بكر للناس وجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صامتًا، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحيى ـ وفي نسخة: يجيء ـ أبا بكر حتى أصابت الشمس رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه فعرف الناس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند ذلك. صحيح البخاري (1/ 555) . وكانت المدينة كلها قد زحفت للاستقبال، وكان يومًا مشهودًا لم تشهد المدينة مثله في تاريخها، وقد رأي اليهود صدق بشارة النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ثم سار النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد الجمعة حتى دخل المدينة ومن ذلك اليوم سميت بلدة يثرب بمدينة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ويعبر عنها بالمدينة مختصرًا وكان يومًا مشهودًا أغر فقد ارتجت البيوت والسكك بأصوات الحمد والتسبيح والأنصار وإن لم يكونوا أصحاب ثروات طائلة إلا أن كل واحد منهم كان يتمنى أن ينزل الرسول - صلى الله عليه وسلم - عليه، فكان لا يمر بدار من دور الأنصار إلا أخذوا خطام راحلته: هلم إلى العدد والعدة والسلاح والمنعة، فكان يقول لهم:"خلوا"