ولما فرغ رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - من قسمة الغنائم في الجِعْرَانة أهلَّ معتمرًا منها، فأدي العمرة، وانصرف بعد ذلك راجعًا إلى المدينة بعد أن ولي على مكة عَتَّاب بن أسيد، وكان رجوعه إلى المدينة ودخوله فيها لست ليال بقيت من ذي القعدة سنة 8 هـ.
بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - عدة من السرايا مع سيادة الأمن على عامة مناطق الجزيرة.
1 ـ سرية عيينة بن حصن الفزاري ـ في المحرم سنة 9 هـ ـ إلى بني تميم في خمسين فارسًا لم يكن فيهم مهاجري ولا أنصاري، وسببها: أن بني تميم كانوا قد أغروا القبائل ومنعوهم عن أداء الجزية، وخرج عيينة بن حصن يسير الليل ويكمن النهار حتى هجم عليهم في الصحراء فولي القوم مدبرين وأخذ منهم أحد عشر رجلًا وإحدي وعشرين امرأة وثلاثين صبيًا وساقهم إلى المدينة فأنزلوا في دار رَمْلَة بنت الحارث.
وقدم فيهم عشرة من رؤسائهم فجاءوا إلى باب النبي - صلى الله عليه وسلم - فنادوا يا محمد اخرج إلينا، فخرج فتعلقوا به، وجعلوا يكلمونه فوقف معهم ثم مضي حتى صلي الظهر ثم جلس في صحن المسجد، فأظهروا رغبتهم في المفاخرة والمباهاة وقدموا خطيبهم عُطَارِد بن حاجب فتكلم فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثابت بن قيس بن شَمَّاس خطيب الإسلام فأجابهم ثم قدموا شاعرهم الزبرقان بن بدر فأنشد مفاخرًا، فأجابه شاعر الإسلام حسان بن ثابت على البديهة ولما فرغ الخطيبان والشاعران قال الأقرع بن حابس: خطيبه أخطب من خطيبنا وشاعره أشعر من شاعرنا وأصواتهم أعلى من أصواتنا وأقوالهم أعلى من أقوالنا ثم أسلموا فأجازهم رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فأحسن جوائزهم ورد عليهم نساءهم وأبناءهم.
2 ـ سرية قُطْبَة بن عامر إلى حي من خَثْعَم بناحية تَبَالَة، بالقرب من تُرَبَة في صفر سنة 9 هـ خرج قطبة في عشرين رجلًا على عشرة أبعرة يعتقبونها، فشن الغارة، فاقتتلوا قتالًا شديدًا حتى كثر الجرحى في الفريقين جميعًا، وقتل قطبة مع من قتل، وساق المسلمون النَّعَم والنساء والشاء إلى المدينة.