محدقون برسول الله صلى الله عليه وسلم يلبون. وخرج المشركون إلى جبل قُعَيْقِعَان الجبل الذي في شمال الكعبة ليروا المسلمين، وقد قالوا فيما بينهم: إنه يقدم عليكم وفد وهنتهم حمي يثرب، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين. ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم، وإنما أمرهم بذلك ليري المشركين قوته كما أمرهم بالاضطباع، أي أن يكشفوا المناكب اليمني، ويضعوا طرفي الرداء على اليسري.
ودخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة من الثنية التي تطلعه على الحَجُون وقد صف المشركون ينظرون إليه فلم يزل يلبي حتى استلم الركن بمِحْجَنِه، ثم طاف، وطاف المسلمون، وعبد الله بن رواحة بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرتجز متوشحًا بالسيف، وفي حديث أنس فقال عمر: يا ابن رواحة، بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفي حرم الله تقول الشعر؟ فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم:"خَلِّ عنه يا عمر، فلهو أسرع فيهم من نضح النبل". ورَمَلَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون ثلاثة أشواط، فلما رآهم المشركون قالوا: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمي قد وهنتهم، هؤلاء أجلد من كذا وكذا. ولما فرغ من الطواف سعي بين الصفا والمروة فلما فرغ من السعي وقد وقف الهدي عند المروة قال: (هذا المنحر وكل فجاج مكة منحر) ، فنحر عند المروة، وحلق هناك وكذلك فعل المسلمون ثم بعث ناسًا إلى يَأْجُج ليقيموا على السلاح ويأتي الآخرون فيقضون نسكهم ففعلوا وأقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة ثلاثًا فلما أصبح من اليوم الرابع أتوا عليًا فقالوا قل لصاحبك اخرج عنا فقد مضي الأجل، فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - ونزل بسَرِف فأقام بها ولما أراد الخروج من مكة تبعتهم ابنة حمزة، تنادى يا عم يا عم فتناولها علي، واختصم فيها على وجعفر وزيد فقضي النبي - صلى الله عليه وسلم - لجعفر لأن خالتها كانت تحته.
وفي هذه العمرة تزوج النبي - صلى الله عليه وسلم - بميمونة بنت الحارث العامرية، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل الدخول في مكة بعث جعفر بن أبي طالب بين يديه إلى ميمونة، فجعلت أمرها إلى العباس، وكانت أختها أم الفضل تحته، فزوجها إياه، فلما خرج من مكة خلف أبا رافع