فهرس الكتاب
أخرج الشيخان رحمهما الله من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: كنت أمشي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعليه بُردٌ نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة، حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أثرت بها حاشية البُرد من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد مُرْ لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ضحك، ثم أمر له بعطاء. [1] "نجراني": منسوب إلى نجران موضع بين الحجاز واليمن."فجبذه": جبذ وجذب لغتان مشهورتان وقوله فجاذبه في الرواية الثانية بمعنى جبذه.
فهذا مثلٌ على اتصاف النبي - صلى الله عليه وسلم - بالحلم الواسع، فقد قابل عنف ذلك الأعرابي بالابتسامة الرقيقة وحقق له طلبه في العطاء، وهذا مثلٌ من الرقي الأخلاقي الذي يندر أن يوجد له مثيل عند البشر وحاشا للنبي - صلى الله عليه وسلم - أن يتصف بهذه الصفات التي تثلم الشرف وتحجب السيادة، فإن من أبرز صفات السيادة الكرم والشجاعة والصدق ولقد كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعلى ما يمكن أن يتخلق به بشر من هذه الصفات وغيرها من مكارم الأخلاق.
وعن سنان بن أبي سنان الدؤلي أن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما أخبره أنه غزا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فأدركتهم القائلة في واد كثير العضاه فتفرق الناس في العضاه يستظلون بالشجر فنزل النبي - صلى الله عليه وسلم - تحت شجرة فعلق بها سيفه ثم نام فاستيقظ وعنده رجل وهو لا يشعر به فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"إن هذا اخترط سيفي فقال من يمنعك؟ قلت الله فشام السيف فها هو ذا جالس". ثم لم يعاقبه. [2]
"فشام السيف"جعله في غمده ويستعمل بمعنى سل.
(1) صحيح البخاري رقم (5472) ، باب البرود والحبرة والشملة، صحيح مسلم رقم (1057) ، باب إعطاء من يسأل بفحش وغلظة.
(2) أخرجه البخاري برقم (5472) ، باب تفرق الناس عن الإمام عند القائلة والاستظلال بالشجر، ومسلم برقم (843) ، باب توكله على الله تعالى وعصمة الله تعالى له من الناس.