فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 427

وما لبث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن بعث محمد بن مسلمة إلى بني النضير يقول لهم: اخرجوا من المدينة ولا تساكنوني بها، وقد أجلتكم عشرًا، فمن وجدت بعد ذلك بها ضربت عنقه. ولم يجد يهود مناصًا من الخروج، فأقاموا أيامًا يتجهزون للرحيل، بيد أن رئيس المنافقين عبدالله بن أبي بعث إليهم أن اثبتوا وتَمَنَّعُوا، ولا تخرجوا من دياركم، فإن معي ألفين يدخلون معكم حصنكم، فيموتون دونكم {لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ} الحشر 11 وتنصركم قريظة وحلفاؤكم من غطفان، وهناك عادت لليهود ثقتهم واستقر رأيهم على المناوأة وطمع رئيسهم حيي بن أخطب فيما قاله رأس المنافقين، فبعث إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول إنا لا نخرج من ديارنا فاصنع ما بدا لك.

فلما بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جواب حيي بن أخطب كبر وكبر أصحابه، ثم نهض لمناجزة القوم، فاستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، وسار إليهم، وعلى بن أبي طالب يحمل اللواء، فلما انتهي إليهم فرض عليهم الحصار

والتجأ بنو النضير إلى حصونهم، فأقاموا عليها يرمون بالنبل والحجارة، وكانت نخيلهم وبساتينهم عونًا لهم في ذلك، فأمر بقطعها وتحريقها، وفي ذلك يقول حسان: وهان على سَرَاةِ بني لُؤي ** حريق بالبُوَيْرَةِ مستطير- [البويرة: اسم لنخل بني النضير] - وفي ذلك أنزل الله تعالى: {مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ} الحشر 5.واعتزلتهم قريظة، وخانهم عبدالله بن أبي وحلفاؤهم من غطفان، فلم يحاول أحد أن يسوق لهم خيرًا، أو يدفع عنهم شرًا، ولهذا شبه سبحانه وتعإلى قصتهم، وجعل مثلهم: {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ} الحشر 16 ولم يطل الحصار فقد دام ست ليال فقط، وقيل: خمس عشرة ليلة حتى قذف الله في قلوبهم الرعب، فاندحروا وتهيأوا للاستسلام ولإلقاء السلاح، فأرسلوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم: نحن نخرج عن المدينة. فأنزلهم على أن يخرجوا عنها بنفوسهم وذراريهم، وأن لهم ما حملت الإبل إلا السلاح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت