عبده ورسوله، أما بعد". قال: فقال: أعد عليَّ كلماتك هؤلاء، فأعادهن عليه رسول الله ... - صلى الله عليه وسلم - ثلاث مرَّات، قال: فقال: لقد سمعت قول الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، ولقد بلغن قاموس البحر. قال: فقال: هات يدك أبايعك على الإسلام، قال: فبايعه، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"وعلى قومك"قال: وعلى قومي."
قال: فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سرية فمروا بقومه فقال صاحب السرية للجيش هل أصبتم من هؤلاء شيئا؟ فقال رجل من القوم أصبت منهم مطهرة، فقال ردوها فإن هؤلاء قوم ضماد". [1] "يرقي"من الرقية وهي العوذة التي يرقى بها صاحب الآفة"من هذه الريح"المراد بالريح هنا الجنون ومس الجن."
"فهل لك"أي فهل لك رغبة في رقيتي وهل تميل إليها.
في هذا الخبر بيان اتصاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصفتي الصبر والحلم؛ وهما من أهم الصفات اللازمة للنجاح في الدعوة، فهذا الرجل وهو ضماد الأزدي قد قدم مكة وهو يعتقد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مجنون، وذلك لكثرة ما يبث قومه عنه من دعاوي كاذبة في القبائل، وحيث إنَّ ضمادًا يعالج من ابتلي بالجنون فإنه قد عرض على النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يعالجه من ذلك.
وهذا موقف يثير غضب من اتهم بذلك عادة، ويتبع ذلك توبيخ المتكلم به، إن لم يحصل ما هو أشد من ذلك، ولكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي جبله الله تعالى على مكارم الأخلاق قد استقبل الأمر يحلم وهدوء مما أثار إعجاب ذلك الرجل، وجعله مهيئًا لقبول ما سيدعوه إليه، ولذلك ما إن بدأ النبي - صلى الله عليه وسلم - كلامه بالمقدمة التي يستفتح بها بعض خطبه حتى أعلن ذلك الرجل أن الكلام الذي سمعه لا يشبه ولا يدانيه كلام الشعراء، ولا كلام الكهان والسحرة، فأسلم. ونجد في هذا الخبر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يهتمَّ بالدفاع عن نفسه، ولم ينظر إلى ما يجب لذاته من الاحترام والتقدير باعتباره زعيم أمة، بل نظر إلى ما ينبغي عمله في حال وقوع الخلاف بين الناس، من المبادرة إلى الإصلاح بين المتخاصمين
(1) رواه مسلم برقم (54) ، باب كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس خلقا.