فهرس الكتاب

الصفحة 219 من 427

وتذكر عائشة رضي الله عنها وصفًا جامعًا لما يتصف به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من السماحة والتواضع والإيثار حيث تقول:"ما خُيَّر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه، وما انتقم - صلى الله عليه وسلم - لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها". [1]

وأخرج الإمام أحمد من حديث عائشة رضي الله عنها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخيط ثوبه، ويخصف نعله، ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم. وقالت عائشة: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكون في مهنة أهله وخدمتهم، فإذا حضرت الصلاة يتوضأ ويخرج للصلاة.

وقال أبو هريرة - رضي الله عنه: بينما يهودي يعرض سلعته أُعطيَ بها شيئًا يكرهه، فقال: لا والذي اصطفى موسى على البشر، فسمعه رجل من الأنصار فقام فلطم وجهه وقال: تقول والذي اصطفى موسى على البشر والنبي - صلى الله عليه وسلم - بين أظهرنا؟ فذهب إليه فقال: أبا القاسم إن لي ذمة وعهدًا فما بال فلان لطم وجهي؟ فقال: لمَ لطمت وجهه؟ فذكره، فغضب النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى رُئي في وجهه، ثم قال: لا تفضَّلوا بين أولياء الله فإنه ينفخ في الصور فيُصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم ينفخ فيه أخرى فأكون أول من بُعث فإذا موسى آخذ بالعرش فلا أدري أحوسب بصعقته يوم الطور أم بعث قبلي. [2]

فهذا مثل عظيم على تواضع النبي - صلى الله عليه وسلم - ونُبل أخلاقه، حيث غضب غضبًا شديدًا لما فضله أحد المسلمين على موسى ثم ذكر شيئًا من فضل موسى عليه السلام، وإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد نهى عن التفضيل بين ألياء الله تعالى من النبيين عليهم الصلاة والسلام كي لا يؤدي ذلك شقاق وصراع بين أتباعهم فإن ذلك ينطبق على أولياء الله تعالى من العلماء المتبوعين حيث يؤدي ذلك إلى الشقاق والصراع بين أتباعهم، وقد كان كثير من أفراد الأمة الإسلامية بعيدين عن هذا التوجيه النبوي حينما تعصبوا لعلماء المذاهب الفقهية

(1) رواه البخاري في كتاب المناقب (3367) ، باب صفة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومسلم في كتاب الفضائل (2327) ، باب مباعدته - صلى الله عليه وسلم - للآثام.

(2) رواه البخاري في كتاب المناقب برقم (3233) ، باب قول الله تعالى: وإن يونس لمن المرسلين، ومسلم في كتاب الفضائل برقم (2373) ، باب من فضائل موسى - صلى الله عليه وسلم -.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت