فهرس الكتاب

الصفحة 221 من 427

من مظاهر التواضع الكبير، لأن الكبراء لا يفعلون ذلك، وكذلك إجابة دعوة المماليك ونحوهم من الفقراء. [1]

فهذه أمثلة من تواضعه - صلى الله عليه وسلم -، حيث يقوم بشؤونه في البيت بنفسه مع كثرة مشاغله والتزاماته، ومن صفات العظمة في الرجل أن لا تشغله الأمور الكبيرة عن الأمور الصغيرة.

وهذا مثل رفيع من أمثلة التواضع والسماحة والتجرد من حظ النفس، فإن النفوس مجبولة على الغيرة لحرمتها، والعمل لجلب حظوظها، ولكن كلما قوي الإيمان بالله تعالى تضاءلت الأنانية وقوي خلق الإيثار، حتى إذا بلغ الإيمان كماله لم يَعًد في تفكير الإنسان نظرٌ لحظ النفس وأصبح يعيش لإخوانه ومجتمعه الإسلامي، ولقد بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعلى درجات الإيمان، فليس غريبًا أن يكون أعلى نموذج يُقتدى به في تمثيل مكارم الأخلاق.

وأخرج البخاري من حديث عروة بن الزبير رحمه الله ورضي عن أبيه قال بعدما ذكر حديث الهجرة فثار المسلمون إلى السلاح، فتلقوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بظهر الحرة فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف وذلك يوم الإثنين من شهر ربيع الأول فقام أبو بكر للناس، وجلس رسول الله صامتًا فطفق من جاء من الأنصار ممن لم يرَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُحيَّي أبا بكر حتى أصابت الشمس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأقبل أبو بكر حتى ظلَّل عليه بردائه فعرف الناس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند ذلك. صحيح البخاري (3911) ، (7/ 250) .

ففي هذا الحديث بيان تواضع النبي - صلى الله عليه وسلم - العظيم، حيث لم يكن في لباسه مختلفًا عن أبي بكر، حتى أصبح الذين لا يعرفونه يحيُّون أبا بكر يظنون أنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

لقد كان بإمكان النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يظهر بهيئة متميزة ولو فعل ذلك لم يوجه إليه نقد، لكون الرؤساء عادة يُعرفون بتميزهم ولكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي جعله الله تعالى هاديًا وقدوة في

(1) مسند أحمد (6/ 121) ، وصححه الألباني"صحيح الجامع الصغير"رقم (4813) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت