أخرج الشيخان رحمهما الله من حديث عامر الشعبي رحمه الله قال: حدثني جابر أنه كان يسير على جمل له قد أعيا فمر النبي - صلى الله عليه وسلم - فضربه فسار سيرًا ليس يسير مثله، ثم قال: بعنيه بأوقية، فبعته فاستثنيت حُملانه إلى أهلي، فلما قدمنا أتيته بالجمل ونقدني ثمنه، ثم انصرفت فأرسل على أثري قال:"ما كنت لآخذ جملك، فخذ جملك ذلك فهو مالك". وفي رواية مسلم أنه قال:"خذ جملك ودراهمك فهو لك"، وفي أخرى له فأعطاني أوقية وزادني قيراطًا، قال: قلت: لا تفارقني زيادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: فكان في كيس لي، فأخذه أهل الشام يوم الحرة. [1]
ففي هذا الحديث مثل من سماحة النبي - صلى الله عليه وسلم - البالغة، حيث قضى جابرًا ثمن الجمل وزاده في ذلك، ثم توج - صلى الله عليه وسلم - سماحته الرقيقة بتنازله عن الجمل لصاحبه جابر، وهذا منتهى ما يتصوره الإنسان من السماحة في المعاملة، والكرم الفياض. وفي الحديث مثل من بركة النبي - صلى الله عليه وسلم -، حيث تحول الجمل العاجز البطيء لما مسه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى جمل قوي سريع يسبق الجمال.
وأخرج الإمام البخاري من حديث سهل بن سعد - رضي الله عنه - قال: جاءت امرأة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بِبرْدة، فقالت: يا رسول الله أكسوك هذه، فأخذها النبي - صلى الله عليه وسلم - محتاجًا إليها فلبسها، فرآها عليه رجل من الصحابة فقال: يا رسول الله ما أحسن هذه فأكسنيها، فقال:"نعم"فلما قام النبي - صلى الله عليه وسلم - لامه الصحابة فقالوا: ما أحسنت حين رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذها محتاجًا إليها ثم سألته إياها وقد عرفت أنه لا يُسأل شيئًا فيمنعه، فقال: رجوت بركتها حين لبسها النبي - صلى الله عليه وسلم - لعلي أكفَّن فيها. [2]
وكون النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يُسأل أي شيء إلا أعطاه يُعدُّ مثالًا عاليًا للكرم الفياض، وهذا مما يندر توافره لدى عموم البشر. وأخرج الإمام البخاري من حديث محمد بن جبير قال: أخبرني
(1) صحيح البخاري، رقم (2718) ، كتاب الشروط، باب إذا اشترط البائع ظهر الدابة (5/ 314) ، صحيح مسلم، رقم (1600) كتاب المساقاة، باب بيع البيع واستثناء ركوبه (ص 1221) .
(2) صحيح البخاري، رقم (5689) ، باب حسن الخلق والسخاء وما يكره من البخل.