1 -دعوة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الطائف:
في شوال سنة عشر من النبوة قرر النبي - صلى الله عليه وسلم - الذهاب إلى الطائف يلتمس من ثقيف النصرة والمنعة بهم من قومه، ورجا أن يقبلوا منه ما جاءهم به من الله تبارك وتعالى. [1] وأهل الطائف أهل ثراء ورخاء، وكان لبعض أثرياء مكة أملاك وبساتين فيها، منهم الوليد بن المغيرة، وعتبة بن ربيعة وأخوه شيبة، وكان في الطائف صنم يعبد ويحج إليه هو اللات. السيرة النبوية للندوي (ص 123) .
وأقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أهل الطائف عشرة أيام لا يدع أحدًا من أشرافهم إلا جاءه وكلمه، فقالوا اخرج من بلادنا وأغروا به سفهاءهم، فلما أراد الخروج تبعه سفهاؤهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس فوقفوا له سِمَاطَيْن (أي صفين) وجعلوا يرمونه بالحجارة وبكلمات من السفه، ورجموا عراقيله حتى اختضب نعلاه بالدماء، وكان زيد بن حارثة يقيه بنفسه حتى أصابه شِجَاج في رأسه، ولم يزل به السفهاء كذلك حتى ألجأوه إلى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة على ثلاثة أميال من الطائف، فلما التجأ إليه رجعوا عنه، وأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى حُبْلَة من عنب فجلس تحت ظلها إلى جدار فلما جلس إليه واطمأن دعا بالدعاء المشهور الذي يدل على امتلاء قلبه كآبة وحزنًا مما لقي من الشدة، وأسفًا على أنه لم يؤمن به أحد، قال:"اللهم إليك أشكو ضَعْف قُوَّتِى، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تَكِلُني؟ إلى بعيد يَتَجَهَّمُنِى؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك، أو يحل علي سَخَطُك، لك العُتْبَى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك"فلما رآه ابنا ربيعة تحركت له رحمهما فدعوا غلامًا لهما نصرانيًا يقال له عَدَّاس، وقالا
(1) السيرة النبوية لابن كثير (جـ 2 ص 149) .